رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الكلم الطيب

مع صحابي من السابقين في الإسلام ومن كبار التجار وحقق ثروة بالعمل الحلال متوخياً في تحركاته ومستقر في وجدانه قول رسول الله صلي الله عليه وسلم: "سبعة أعشار الرزق في التجارة" بشرط توخي الدقة في كل الخطوات واضعا الله نصب عينيه فلا استغلال ولا غش ولا تدليس متطلعاً دائما إلي الكسب الحلال بكل همة ونشاط مبادراً للخير في مسيرته بهذه الحياة لا تغريه الأموال بكل زخارفها ومغرياتها.
هذا الصحابي اسمه عبدالرحمن بن عوف بن عوف بن عبدالحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري ويكني أبا محمد وأمه الشف بنت عوف بن عبدالحارث بن زهرة. وقد ولد بعد موقعة الفيل بعشر سنين وهداه الله للإسلام قبل أن يدخل رسول الله عليه الصلاة والسلام دار الأرقم وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلي الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا علي يد أبي بكر وكان من المهاجرين الأولين هاجر إلي الحبشة وإلي المدينة وآخي رسول الله صلي الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع وقد شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ومما يضاف إلي مسيرة عبدالرحمن بن عوف أن الرسول صلي الله عليه وسلم بعثه إلي دومة الجندل وقد عممه بيده وسدلها علي كتفيه. ثم قال له: إن فتح الله عليك. فتزوج بنت ملكهم أو قال شريفهم. وقد كان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم فتزوج ابنته تماضر بنت الأصبغ. فولدت أبا سلمة بن عبدالرحمن.
كان عبدالرحمن بن عوف أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وكذلك كان أحد الستة أصحاب الشوري الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة فيهم وأخبر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض. وصلي رسول الله صلي الله عليه وسلم خلفه في سفره وقد أصيب في يوم أحد بإحدي وعشرين جرحاً وكذلك جرح في رجله ولذلك كان يعرج بسببها وأيضا سقطت ثنيتاه فكان أهتم وكان كثير الإنفاق في سبيل الله.
ومما ينسب إليه أنه أعتق في يوم ثلاثين عبداً. وكذلك جاء عن سعيد بن زيد أنه تحدث مع نفر قائلا: "إن رسول الله قال عشرة في الجنة. أبوبكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وأبوعبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص. قال فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر فقال القوم ننشدك من العاشر. قال نشدتموني بالله أبوالأعور في الجنة. وأبوالأعور هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه جاء عن أنس بن مالك أن رسول الله صلي الله عليه وسلم آخي بين المهاجرين والأنصار وآخي بين سعد بن الربيع وبين عبدالرحمن بن عوف. فقال له سعد: إن لي مالا فهو بيني وبينك شطران. وكذلك لي امرأتان فانظر أيتهما أحببت حتي أخلعها. فإذا حلت فتزوجها. فقال عبدالرحمن بكل عفة النفس: "لا حاجة لي في أهلك ومالك بارك الله لك في أهلك ومالك. أريد فقط أن تدلوني علي السوق". لأن عبدالرحمن من التجار الخبراء في الأسواق وقد وفقه الله. فقد خرج إلي السوق فتاجر وحقق أرباحاً ومن هذه الأرباح أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً. وذلك كما أشرت من قبل.. وقد جاء عن ابنه سلمة بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم: "فضل العالم علي العابد سبعين درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" ولا حرج في فضل. وكذلك قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "عبدالرحمن بن عوف أمين في السماء أمين في الأرض". ولما توفي عمر رضي الله عنه قال: "عبدالرحمن بن عوف لأصحاب الشوري الذين جعل عمر الخلافة فيهم من يخرج نفسه منها ويختار للمسلمين؟" لكن لم يجيبوه إلي ذلك. فقال: "أنا أخرج نفسي من الخلافة وأختار للمسلمين". وهنا أجابوه إلي ذلك. فأخذ مواثيقهم عليه. فاختار عثمان فبايعه خليفة للمسلمين.
في نفس الوقت كان عبدالرحمن كثير الأموال من التجارة. وفي أحد الأيام دخل علي أم سلمة زوجة رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: "يا أمة قد خفت أن يهلكني كثرة مالي". فقالت: "يا بني انفق". وكذلك كان عبدالرحمن بن عوف كثير الإنفاق في سبيل الله لدرجة أنه كانت له سبعمائة راحلة تحمل البر والدقيق والطعام. فلما وصلت هذه الراحلة إلي المدينة المنورة فأحدثت رجة شعر بها الناس. فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما هذه الرجة التي أحدثت ضجة. فقيل لها: عير قدمت لعبدالرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر والدقيق والطعام. فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلي عليه وسلم يقول: "يدخل عبدالرحمن بن عوف الجنة حبواً.
مسيرة عبدالرحمن بن عوف حافلة بالأمجاد وروي عنه كثير من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وقد شاءت الأقدار أن يتوفي في سنة واحد وثلاثين من الهجرة وهو ابن خمس وسبعين سنة. ولما مات قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اذهب يا ابن عوف قد أدركت صفوها وسبقت كدرها" وقد كان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته فكان يقول: "واجبلاه" كناية عن حزنه ولوعته لفراق هذا الصحابي الجليل.
ترك ابن عوف مالاً كثيراً وذهباً تم قطعه بالفئوس حتي أرهقت أيدي الرجال وألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعي بالبقيع.. رحم الله هذا الصحابي الجليل الذي كان نموذجاً في كل تصرفاته.. ليتنا نستلهم هذه المسيرة في حياتنا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة