لوجه الله:
يستعد المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها لاستقبال شهر رمضان المعظم الذى يهل علينا ونحن ما زلنا فى مواجهة مع وباء كورونا الخطير بعد أن فقد العالم بسببه الملايين، وفقدنا نحن فى مصر أحباء لنا وأعزاء علينا تركوا فراغا كبيرا فى حياتنا.
نستقبل رمضان هذا العام وكلنا أمل ورجاء أن يجعله الله تبارك وتعالى بداية كشف البلاء وإزاحة الوباء لكى نعود لحياتنا الطبيعية بعد أن نستوعب العبر والعظات لنصحح الأخطاء، ونعلن توبة نصوحا عن كل ما ارتكبنا من ذنوب، واقترفنا من آثام، ليكون شهر الخير والبركة بداية عهد جديد لنا مع الله عز وجل.
أيام قلائل ونستقبل شهرا عظيما مباركا، فيه ليلة خير من ألف شهر، اختصه الله بنزول القرآن الكريم فيه، كما اختصه بفضائل وبركات لم تكن لغيره من شهور العام، فيه من النعم والخيرات والعتق من النيران والغفران من الذنوب والعطاء الإلهى ما يفرض علينا أن نستثمره على أفضل ما يكون الاستثمار، ونستفيد منه أقصى ما تكون الاستفادة.
**
الاستعداد لرمضان لا يكون أبدا بتخزين كل أشكال وألوان الطعام والشراب كما يفعل كثير من الناس، فرمضان شهر عبادات وطاعات وتقرب الى الله بكل أعمال الخير.. وفى رمضان لا ينبغى أن ننشغل بما نأكله ونشربه، بل علينا أن نجتهد لجنى ثمار العبادات والطاعات والاستفادة بهذا الشهر الفضيل ليكون منارة هدى ونقطة تحول مهمة فى حياتنا لنترجم على أرض الواقع قول الحق سبحانه:" شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".
الاستعداد لهذا الشهر الكريم، يكون أولا بمعرفة فضله وعظيم منزلته، ففيه تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفِدت الشياطين"، فهو شهر خير وبركة ومغفرة ويتجاوز الله فيه عن الذنوب ويغفرها.
لذلك فأفضل ما نستقبل به شهر رمضان هو تهيئة النفس للإكثار من الطاعات، واجتناب المعاصى والذنوب، والمداومة على صلة الرحم، والإحسان الى الوالدين والأقارب والجيران، وإنهاء النزاعات مع الآخرين، وطلب العفو من كل صاحب مظلمه، ورد الحقوق الى أصحابها، فالمسلم مطالب شرعا بأن يعيش فى هذه الأيام المباركة فى حالة تسامح مع النفس ومع الآخرين.
**
لا ينبغى أن نركن الى العبادات الرمضانية فقط من صلاة وصوم وزكاة لنحظى ببركات رمضان، فالعبادات إذا لم تصاحبها أخلاق فاضلة، ومعاملات طيبة، وحرص على الحلال، وتجنب كل ما هو حرام، ستظل طقوسا شكلية لا تحقق أهدافها الحقيقية فى حياة الإنسان.. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، وفي هذا رحمة من الله عز وجل بخلقه، حيث جعل رمضان فرصة لأصحاب المعاصي ليتخلصوا من أوزارهم، ففى الصيام نهارا، والقيام ليلا طاعة وتعبدا لله، وحفظ اللسان والجوارح عن الشهوات والسفاهات، بيئة خصبة للمسلم ليستفيد من هذا المناخ الإيمانى الذى يساعده على أن يكون إنسانا مثاليا ذو خلق كريم يحظى بقبول كل المتعاملين معه، ليحظى فى النهاية برضا الخالق سبحانه وتعالى.
**
علينا أن ندرك أن العبادات الإسلامية تستهدف أولا تهذيب سلوك الإنسان، ولذلك فإن شهر رمضان الذى تتلاقى فيه عبادة الصوم مع عبادتى الصلاة والزكاة فرصة طيبة لنشر القيم والأخلاق الفاضلة بين الجميع، فالعبادات لم تفرض علينا لتعذيبنا، أو لحرماننا من طيبات الحياة كما قد يتوهم البعض، لكنها الى جانب أنها طاعة لله فرضت علينا لمصلحتنا وكلها منافع لنا، فالصلاة كلها منافع للانسان قبل أن تكون طاعة لله، والزكاة بركة فى الرزق والعمر، والصوم كله مكاسب روحية وبدنية للصائم الذى يحرص على آدابه وأخلاقياته.
علينا أن ندرك الأهداف الحقيقية لفريضة الصوم ومقاصدعا السامية، فالإنسان الذى يتطلع لكامل الأجر والثواب، لا يكفى أن يمتنع عن الطعام والشراب وباقى المحظورات، بل عليه أن يلتزم بآداب الصوم وأخلاقياته، ويصوم صوما صحيحا عن كل المفطرات، ويتجنب كل المعاصي والذنوب، فالصوم فريضة الالتزام فيها يصل بالإنسان الى مرحلة التقوى، وهى الهدف الأسمى من الصوم، ولذلك يقول الحق فى نهاية آية الصوم" لعلكم تتقون" فالتقوى هي هدف الصوم، ولكي تتحقق هذه الدرجة من صفاء القلب واستقامة الجوارح، على الصائم أن يكون فى رمضان نموذجا للطاعة والإخلاص، وأن تتعلق كل جوارحه بعمل الخير، وأن يعلم أن الله يراقبه فى كل تصرفاته، فيفعل ما يرضى الله ويجلب رضاه.. ومن هنا فالصائم مطالب خلال هذا الشهر الكريم بكل الطاعات وأعمال الخير، وأن يكون مخلصا في كل ذلك، بمعنى ألا يكون هدفه أن يتحدث الناس عنه وعن طاعاته وأعماله الخيرية، فالإخلاص في الطاعات والعبادات يضاعف الأجر والثواب عليها.
المسلم الواعى الحريص على طاعة الله هو الذى يستفيد من هذا الشهر الكريم في التخلص من ذنوبه وآثامه، وأن يبدأ مرحلة جديدة من حياته كلها طاعة وحرص على الفضائل والطاعات، وأن يراجع نفسه باستمرار، ويتخلص من كل السلوكيات الخاطئة التي تجلب له غضب خالقه، ففي الصوم تأديب للنفس، وتهذيب للأخلاق، وضبط لكل ما يصدر عن الإنسان من تصرفات.
**
الذين يصلون ويصومون ويزكون ولا يكفون عن السلوكيات الشاذة والغريبة ويؤذون الآخرين بألسنتهم وسوء أخلاقهم مطالبون بمراجعة أنفسهم، وتصحيح مسيرة حياتهم، لأنهم لم يستفدوا من عباداتهم وطاعاتهم شيئا، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذى تفعله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف فيقول: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا ردهم وله ولا متاع، فيرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلا: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا العقل والحكمة لنستفيد من شهر رمضان فى تصحيح مسيرة حياتنا.. وكل عام وأنتم بخير