رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

رغم التحديات والصعوبات فقد تحقق حلم العاصمة الإدارية الجديدة بأيادٍ مصرية وإرادة سياسية دأبت على الإنجاز رغم ما أحاط بالمشروع من نقد وتحفظ في بدايته من جانب البعض .. لكنها أصرت وصابرت حتى تحقق لها ما أرادت في زمن قياسي وفقاً لأعلى المعايير الدولية لتخطيط وإنشاء المدن الذكية..وبصرف النظرعن رؤية البعض لأولويات المرحلة، وما أثاروه من لغط حول العاصمة الجديدة فقد صار لدينا مشروع حضاري تدخل مرحلته الأولى حيز التشغيل التجريبي في أغسطس المقبل ثم تتبعه مرحلتان أخريان تباعاً.. وذلك في حد ذاته أبلغ رد على الذين بالغوا في تخوفاتهم وتحفظاتهم على المشروع الذي لابد أنهم سوف يراجعون موقفهم منه حينما يرونه واقعاً.

المدينة الجديدة أيا ما كان اسمها، وإن كنت أرجو أن تعاد تسميتها لتصبح "مدينة 30 يونيو" دلالة على ما حققه المصريون بخروجهم الكبير ضد حكم جماعة الإخوان التي اختطفت دولتهم وحاولت تغييرهويتهم لحساب مشروعها ولولا يقظة الشعب ووعيه ومساندة جيشه العظيم بقيادة الرئيس السيسي لدخلنا في احتراب أهلى لا تحمد عقباه.

هذه المدينة تبلغ مساحتها 170 ألف فدان أي أربعة أضعاف مدينة واشنطن الأمريكية، كما تضاهي مساحة سنغافورة ، وقد وفرت العاصمة ملايين من فرص العمل ، وتتسع لأكثر من 6 ملايين نسمة، ويجري تنفيذها على 3 مراحل، وتعد منصة إطلاق للجمهورية الثانية كما قال الرئيس السيسي ليس بما تضمه من مبانٍ متطورة ذكية وجامعات وأنشطة مختلفة بل بما تحمله من دلالات أخرى تتحقق من خلالها حياة كريمة تضاف إلى ما تحقق من إنجازات وتغييرات واسعة شهدتها مصر في عهد السيسي، استكمالا لما بدأه الرئيس من إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية سيكون لها مردود واسع على التعليم والثقافة والفكر الديني وحياتنا السياسية بوجه عام وهي ملفات إذا ما عولجت بالكفاءة المرجوة سوف تنقل المصريين نقلة نوعية إيجابية تقطع الطريق على المزايدين والمشككين ومشعلى الحرائق والفتن، الساعين لدق أسافين بين الشعب وقيادته لضرب الجبهة الداخلية وتمهيد الأرض أمام حروب الجيلين الرابع والخامس.

ما من شك أن أعداء مصر لا يرجون لها خيراً، ويسعون بكل الطرق لتشويه أي منجز أو مشروع يتم على أرضها، ويتربصون بها الدوائر، ويتمنون لو عادت لها الفوضى والسيولة السياسية والانفلات كما حدث في أعقاب أحداث يناير 2011..لكن أنى لهم ذلك وقد وعى الشعب دروس يناير، ولن يسمح بفوضى جديدة تهز استقراره وتذهب بآماله وطموحاته.

مصر ستدخل إلى "الجمهورية الجديدة" بعد أسابيع معدودات بتشغيل عاصمتها الإدارية وانطلاق مشروع "حياة كريمة" لتطوير الريف المصري الذي سيفيد أكثر من 55 مليون مواطن سوف يتمتعون بحياة آمنة تليق بأهلنا في قرى مصر الأكثر احتياجاً والتي عانت الإهمال طويلاً وتحملت عناء تنوء به الجبال .

قطار الإنجازات سوف يمضي بلا توقف ليجني المصريون حصاد مشروع التأمين الصحي الشامل الذي بدأ ببورسعيد، وانتقل لمحافظات أخرى ليشمل كافة أنحاء مصر في غضون 10 سنوات وليس 15 عاماً.. جنباً إلى جنب مبادرات رئاسية أخرى غايتها تحسين أحوال الناس والارتقاء بمعيشتهم وتخفيف الأعباء عن كاهلهم..وهي أعباء ناتجة عن اختلالات مزمنة ليست نتاج مرحلة بعينها بل هي تراكمات عقود من الإهمال وغياب الإرادة والهمة السياسية ..وهي علل لن تختفي بين عشية وضحاها بل تحتاج إلى تغيير جذري في أنماط تفكيرنا وعاداتنا وسلوكياتنا وفي المحصلة إصلاح شامل يبدأ بالتعليم والبحث العلمي الذي يمكنه إذا صلح أن يحقق النهضة والقوة المأمولة والإشباع المرجو وليست تجارب الدول الفذة عنا ببعيد..فها هي اليابان لم تستسلم للعدوان النووي الأمريكي عليها، بل عادت بفضل عزيمة شعبها وإرادته أقوى مما كانت لتناطح الكبار علمياً واقتصادياً وتكنولوجياً ، وعلى دربها سارت كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا اعتماداً على قوتها الذاتية عبر بوابة التعليم والشفافية والجدية والمساواة والعدالة وسيادة القانون على الجميع بلا استثناءات.

وما نراه اليوم عندنا يشبه تجارب النجاح البازغة تلك، فمصر تسلك للنجاح سبيلا يناسب حالتها، ويراعي خصوصيتها، ولا يخالجنى أدنى شك أننا قادرون على قهر المستحيل إذا أردنا وتمسكنا بالأمل ولم نلتفت لدعاوى الإحباط والوهن التي يحاول البعض إشاعتها في صفوفنا ليس فقط من أعدائنا وخصومنا التقليديين بل يفعل ذلك مثقفون وإعلاميون غلبته عليهم مصالحهم الخاصة.

ولعل من عوامل قوة الجمهورية الجديدة بث روح الأمل ونشر التفاؤل بالمستقبل، وهو ما تجسده بوضوح خطابات الرئيس السيسي في المناسبات المختلفة، معوضاً بذلك غياب النخبة والإعلام والمجتمع المدني، فثمة اهتمام بالغ بإعادة بناء البنيان السياسي تماماً كما البنيان الاقتصادي والاجتماعي..لكن البناء السياسي في حاجة لنهضة الأحزاب وانبعاثها من مرقدها لتحمل رسالتها السياسية والاجتماعية في صفوف الجماهير في وطن يصارع للبقاء مجابهاً عواصف إقليمية ودولية لا تخفى.. فماذا يمنع اندماج الأحزاب الصغيرة كلها أو جلها في حزبين أو ثلاثة أو حتى خمسة قوية بدلاً من التشرذم والضعف الموجود الآن في أحزاب كثيرة العدد قليلة التأثير والنفاذ ..ولنا في الديمقراطيات العريقة النموذج والمثال ؛ فبلد بحجم أمريكا التي تضم أكثر من خمسين ولاية لا يتنافس على حلبتها السياسية سوى حزبين كبيرين، وكذلك تفعل إنجلترا التي كانت يوماً إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس..أليست أحزابنا الصغيرة أولى بالاندماج حتى تجد لنفسها موطيء قدم بين الجماهير وفي الشارع السياسي الذي بات أحوج ما يكون لدماء حزبية جديدة تبث الحيوية في أوصاله وتمده بروح القوة من جديد؛ فعماد الديمقراطية التعدد وذروة سنامها التنافس، وغايتها التعبير الصادق عن آمال الجماهير وتطلعاتها وشواغلها.

وليس مقبولاً أبداً أن تظل كثرة غالبة من أحزابنا مجرد لافتة ومقر وصحيفة في أحسن الأحوال..أو أيقونة لمعارضة سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع..فما لهذا خُلقت الأحزاب بل وُجِدت لتمارس دورها في النضال السلمي؛ معارضة بناءة تنهض على فكر وأهداف تتسق مع مصالح الدولة و تكون لها عوناً وظهيراً وحارساً على مقومات بقائها.

يحدوني أمل كبير ونحن نترقب بزوغ فجر العاصمة الجديدة ذلك الإنجاز العملاق الذي سوف يشعر الجميع بأهميته أن تشهد الجمهورية الجديدة حراكاً سياسياً رشيداً تأتلف له قلوب المخلصين لهذا الوطن، الداعمين للدولة ومشروعها الإصلاحي الذي يتبناه الرئيس السيسي بوضوح، مرتكزاً على بناء الإنسان ثقافياً وأخلاقياً وعلمياً على أسس سليمة ..وتلك ولا شك أهم أعمدة الجمهورية الجديدة.

يحدوني أمل عريض أن يتحلى كل مسئول وكل من يتصدى للعمل العام ويعمل في خدمة الجماهير بحس سياسي وإدارك عميق لحجم ما تعيشه مصر من تحديات جسام ومشكلات معقدة وتهديدات وجودية من كل جانب..وأن يضعوا برنامج الرئيس نصب أعينهم وينفذوا رؤيته بأمانة في ملفات إصلاحية بدءا بالتعليم مرورا بالصحة والاقتصاد والفكر الديني والإعلام، مدركين عمق المخاطر المحدقة بأمننا القومي المستهدف من كل ناحية.

الرئيس السيسي عبر بنا نفقاً مظلما حفره الإخوان وأهل الشر لجرجرة مصر والمنطقة كلها إلى هوة سحيقة من الفوضى والتقسيم لحساب مشروع مشبوه لا يزال يراود تلك الجماعة وأشياعها حتى هذه اللحظة ، وهو ما ينبغي التنبه لخطورته والسعي لدرء مفاسده؛ فمصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم كله، وتجاهد في الوقت نفسه لإصلاح ما فسد في عهود سابقة لاسيما ما يخص العقل والضمير وثقافة العمل والإنتاج والأخلاق التي نرى من سوءاتها ما يدعو للأسى والحزن..رغم أنها قد تبدو حوادث فردية كالتحرش وجرائم القتل وعقوق الوالدين وهي جرائم غريبة على قيمنا ومجتمعنا القائم على التراحم والتكافل والتماسك الأسري وتوقير الكبار.

الجهل أصل الشرور وتربة خصبة للفساد والآفات ومن ثم فإننا في أمس الحاجة إلى تعليم عصري متطور يعيد صياغة الإنسان؛ أخلاقه ووجدانه وسلوكه وتفكيره وقيمه الروحية وانتماءه للوطن وإدراكه لما يجري حوله ..تعليم يشحذ زناد العقل المصري ويبعثه من مرقده لينهل من فيض المعرفة ونور العلم، وينقذه من وهدة التخلف والإسراف وحمى الاستهلاك النهم ورواسب الجهالة والخرافة.

ما أحوجنا لجامعات مبدعة في ساحات الابتكار والاختراع ترسم للعقل الوطني دوره الحضاري وتمكنه من امتلاك ناصية الإنتاج العلمي والتصنيع استكمالاً للدور والرسالة التي حملتها مصر على كاهلها كأقدم حضارات البشر التي تبوأت أعلى مراتب التقدم والإنجاز والتفوق..وظني أن العاصمة الإدارية وجميع المدن الجديدة سوف تسهم في تحقيق ذلك الهدف؛ فهي ليست مجرد امتداد أو توسع عمراني جديد بل نقلة حضارية على طريق الحداثة والتطور.

ثقافتنا الأصيلة في حاجة لابتعاث جديد في عقول أجيالنا الجديدة حتى تبقى على صلة وثيقة بتاريخنا وإرثنا الحضاري ليتحقق الاتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل بلا تجاوز أو ادعاء، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإعادة الاعتبار إلى لغتنا العربية وتقديمها على ما سواها وجعلها لغة الخطاب والتعليم والبحث؛ ذلك أنها وعاء الحضارة والثقافة ورمز الهوية وبإمكانها استنقاذ أجيالنا التائهة في دروب الحضارة الغربية، الغارقة في ساحات الفضاء الإلكتروني ومنتجات الغرب التكنولوجية التي ارتمى شبابنا في أحضانها وأتقنوا لغاتها كما لم يتقنوا لغتهم الأم بعد أن رأوها مهملة في زاوية النسيان.

العاصمة الإدارية رغم أنها أحد أهم المشروعات القومية في العصر الحديث فإنها لم تسلم من التسفيه والتطاول منذ كانت فكرة حتى صارت صرحاً يشار له بالبنان ..وينسى من هاجموها أن القاهرة العريقة تشبعت بالبشر والتلوث حتى ضاقت بأهلها والوافدين عليها وما أكثرهم ..وشاخت مرافقها وصارت معوقة لحركة الحياة وأحاطت بها العشوائيات من كل جانب ..وهذا حال معظم مدننا القديمة بكل أسف نتيجة غياب التخطيط العمراني المستقبلي وعجزه عن استيعاب مزيد من البشر.

ولسوف تذكر أجيالنا الجديدة حين تطالع هذا الصرح العملاق كيف كان رئيس مصر يفكر في مستقبلهم بعد تآكل الرقعة الزراعية وتدهور حالة العمران والمرافق وظهور فجوة سنوية بلغت أكثر من مليون وحدة سكنية جراء انفجار سكاني يقابله ضعف في الإمكانيات وعدم بناء وحدات جديدة تستوعب تلك الزيادة التي وصلت لنحو2.5 مليون نسمة كل عام.

ما يميز العاصمة الجديدة أنها تفادت عيوب المدن التي شيدتها أنظمة سابقة، فقد ارتبطت بالمدن الأخرى عبر شبكة طرق عملاقة ووسائل مواصلات فائقة السرعة (القطار المكهرب والمونوريل) وهو ما يضمن انتقالا سلساً وسريعا للسكان وتلك أهم عوامل الجذب، كما تمتاز بسعة المساحات الخضراء التي حرص الرئيس السيسي على توفرها، فضلاً على وسائل النقل الجماعية والجامعات الحديثة , والمناطق الترفيهية والخدمات المتطورة التي تجعلها جاذبة وجاهزة لاستيعاب الزيادة السكانية وتفادي الاختناق والزحام والعشوائية..إنها بحق جمهورية جديدة تعبر عن إرادة شعب خرجت ملايينه للشوارع رفضا لحكم جماعة الإخوان..وهي محصلة كفاح شعب وصلابة جيش وفكر قائد.. وشاهد على تلاحم مكونات الدولة التي عادت لها مكانتها ودورها بعد طول غياب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة