رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

من منا لم يشغله الموت .. خاصة هذه الأيام .. التى يتساقط فيها الكثير منا .. وأصبح خبر موت فلان .. هو الاكثر انتشارا .. وهنا يقفز السؤال بسبب كورونا .. ومهما كانت الإجابة .. يظل الموت غريبا .. يبدو وكان احدا .. لا يريد ان يصدقه .. لست متشائما بطبعى .. لكنى أتوقف أمام الحقيقية التى قد تكون الوحيدة فى هذه الحياة .. وبالرغم من ذلك نرفضها .. حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت .. لا يفكرون الا في المشوار سواء الذهاب او العودة من المقابر .. غالبية اولاد الميت لا يفكرون الا فى الميراث .. الحانوتية لا يفكرون الا فى حسابهم وكم من المال سيحصلون عليه بمختلف الوسائل والاساليب .. وايضا المقربون .. لا يفكرون الا فى أجرهم .. العجيب ان كل منا يبدو أنه متعجل .. يخشى ان يفوته شيئا ما .. بالتأكيد ليس الموت ابدا .. يقول د. مصطفى محمود فى كتابه لغز الموت ان عملية القلق على الموت .. هى مجرد قلق على الحياة .. فلا احد يعبأ بالموت .. حتى من يحمل النعش على كتفه .. عقله سارح فى اللحظة القادمة .. كيف يعيشها .. الموت لا يعنى احدا .. انما الحياة هى التى تعنى الكل .. يتساءل د. مصطفى محمود .. من الذى يموت اذن؟ ان الجنازة لا تساوى الا الدقائق القليلة التى تعطل فيها المرور وهى تعبر الشارع .. والعجيب انه بالرغم من جلال وهيبة الموت .. الا ان كل عربه تطلق نفيرها فى قلق .. لتعود مرة أخرى انها تتعجل الوصول الى هدفها .. وانها لا تهتم .. ولا تريد أن تفهم هذا الشئ الذى اسمه الموت .. ومن هنا أتساءل .. ما الموت .. وما حقيقته .. ولماذا يسقط الموت من حساباتنا دائما .. حتى عندما نواجهه .. الإجابة ببساطة .. لان الموت حياة .. نعم حياة .. كيف ؟ انظروا الى أجسادنا وما تحمله .. وما يحدث بداخلنا .. كل خلية وكل نقطة دم .. نقطة لعاب .. كل دمعة عين .. كل قطرة عرق .. فيها خلايا ميتة .. نطردها للخارج بدون احتفال .. ملايين الكرات الحمراء .. تولد وتعيش ثم تموت فى دمنا .. دون أن ندرى عنها شيئا .. تماما مثل الكرات البيضاء .. خلايا الجسم تولد وتموت ويوجد غيرها .. دون أن نحس .. الحرارة التى بداخل أجسامنا .. هى الحياة .. وهى ايضا احتراق .. اى أن أجسادنا .. بداخلها فرن .. يحرق اشياء لتولد محلها اشياء اخرى .. مع كل شهيق وزفير .. يدخل الاكسجين .. وهو مثل البوتاجاز .. يحرق كمية من الدم .. ليولد لنا لحما جديدا نضيفه الى اجسادنا .. كل هذا يعنى اننا نعيش .. ونموت فى كل لحظة .. عن طريق الخلايا التى تموت بداخلنا ليولد محلها خلايا جديدة .. حتى الأفكار تولد وتزدهر .. ثم تذبل وتسقط .. حتى العواطف تتوهج فى قلوبنا .. ثم تبرد .. بمعنى أدق .. اقول : انه لا فرق يذكر بين الموت والحياة .. فالحياة هى عملية الموت .. وبالموت تكون الحياة .. ويبقى السؤال الذى يدق الرؤوس بعنف .. لماذا نرتجف من الرعب .. عندما نفكر فى الموت .. يجيب د. مصطفى محمود قائلا : لأن الموت هو الحادث الوحيد المصحوب برؤية مباشرة .. فما يحدث بداخلنا من موت لا نراه .. لا نرى كرات الدم والخلايا .. وهى تولد ثم تموت .. لا نرى صراع الميكروبات .. كل ما يحدث فى داخلنا يحدث فى الظلام .. لكن الموت يسرقنا .. يخطفنا .. يمشى على رؤوسنا .. فيبض له شعرنا .. شعرة .. شعرة .. دون أن نحس بالرغم من أنه .. هو الحياة نفسها .. وعندما يسقط الانسان وينتهى .. كجثة هامدة .. وقبل ان نغادر المقابر .. يتجدد السؤال بداخل كل منا .. هل انتهى انا ايضا .. ويصبح مصيرى نفس مصير هذا الميت .. وادخل القبر .. مثله .. ويغلق على باغلظ وامتن الأبواب .. انا .. انا؟ كيف انتهى هكذا ؟! كيف ؟! وهنا يبدأ الصراع الداخلى .. ويتجسد الصراع .. بين الموت والحياة .. انه لغز الموت .. فامامنا الميت .. حقيقة ملموسة امام أعيننا.. ومع ذلك .. نرفضها عندما تتعلق بنا .. ولابد ان نعترف .. ان موت شئ اخر .. فهو ضرورة وفضيلة وخير .. فالموت .. مكملا للحياة .. فهو يبدو كالجناينى الذى يقتلع النباتات الفاسدة .. غير المثمرة .. ليفسح المجال للبذور الصغيرة الجديدة .. لتطرح ثمارها .. الموت يهدم .. لان بهذا الهدم تنطلق ماء الحياة الجارى .. ولولا الموت .. لاصبحت الحياة خانقة .. حيث تتراكم المخلوقات .. الموت يخلق واقع الأشياء .. كما يخلق واقع الأشياء الحية .. اننا امام خالق مبدع سبحانه .. احسن صنع كل شئ .. ابدع تصميمات أنفسنا .. لتستمر الحياة .. وليس عجيبا .. ان نرى الدقة والأحكام والانضباط فى نظام الكون .. كما وضعه الخالق العظيم سبحانه .. ان هذا الكون المحكم .. لا يمكن ان يفلت منه ظالم .. كل هذه الحقائق .. عرفناها على يد رجل بدوى .. لا يعرف القراءة والكتابة .. يأتى لنا القرآن .. يغير وجه التاريخ .. قرآن يطابق اكتشافات العلم .. قبل ان تحدث بحوالي الف وربعمائة سنة .. وهو امر لا يمكن ان يأتى .. الا وحيا من السماء من الله .. الذى خلق كل شئ ويعلم كل شئ .. القرآن هو الكتاب الوحيد .. الذى يجيب على لغز الحياة والموت .. اجابة تتحدى جميع العلوم .. ويكفى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. انه عرفنا الطريق إلى الله .. وان نعرفه قريبا .. مجيبا يسمع ويرى .. فندعوه .. راكعين .. ساجدين .. خاشعين .. وندرك جيدا .. حسن معاملة الناس .. من مقتضيات هذا الدين .. تصديقا لقول نبينا عليه الصلاة والسلام .. ان الصدقة تقع فى يد الله .. قبل ان تقع فى يد السائل .. فمن احب الله .. احب مخلوقاته واحسن اليها .. يقول د. مصطفى محمود فى كتابه حوار مع صديقى الملحد .. ان حكمة الصلاة .. ان يتحطم .. هذا الكبرياء المزيف الذى نعيش فيه .. لحظة السجود وملامسة جبهتك التراب .. مرددين بلساننا وقلوبنا " سبحان ربى الأعلى " .. لقد ميزنا الله بالعقل .. فالمخ البشرى عجيبة من عجائب الحياة .. يتالف من عشرة آلاف مليون خط عصبى .. تعمل كلها فى وقت واحد .. فما الذى يحفظ لهذه الآلة الهائلة سلامتها .. ومن الذى زودها بكل تلك الامكانات .. ان القرآن له رنين وايقاع .. غير موجود فى غيره .. فهو يأتى بأفضل ما فى امور السياسة والأخلاق والتشريع والكون والحياة والنفس والمجتمع .. الاكثر من ذلك انه يوافق كل ما جاء به العلم الحديث .. فى ازمنة مختلفة بعيدة عن نور الحضارات .. ولابد ان يكون هذا الكون البديع من صنع الله القدير ..

فى النهاية اقول : ان الحلال بين والحرام بين .. وان الله يهدى من يشاء .. تصديقا لقوله : انك لن تهدى من أحببت لكن الله يهدى من يشاء .. ( القصص ٥٦ ) .. قرأت ٣ كتب .. للشيخ متولى الشعراوى ود. مصطفى محمود .. لاقدم لكم هذا المقال .. ويبقى السؤال .. ونحن نقف امام لغز الموت والحياة .. هل نتعظ .. وندرك انه يوجد حساب وعقاب .. وان الموت حق .. هل اعددنا أنفسنا لمواجهة هذا الحق .. الذى لابد وحتما ان نذوقه ؟!

اللهم نسألك حسن الخاتمة .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة