دبابيس
على مدى تاريخها العريق كانت مصر سباقة دائما بين شقيقاتها العربيات وفي محطيها الإقليمي والعالمي .. إذا قالت سمعها الجميع وأنصت.. وإذا قررت أصابت كبد الحقيقة التي قد يدركها آخرون بعد سنوات، أو قل عقود وساعتها يندمون يوم لا ينفع الندم، فقد مضى الوقت وضاعت الفرصة .. حقائق عرفها العالم يوم أن أقامت تحالف عدم الانحياز الشهير مع الهند وإندونيسيا ويوغوسلافيا السابقة، كما عرفها العرب يوم أن فاجأت الجميع بتوقيع اتفاقية سلام المنتصر مع إسرائيل في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
هي مصر التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشيوعية منذ ما يزيد على نصف قرن ويومها قامت الدنيا ولم تقعد في أمريكا التي صبت جام غضبها على مصر .. وها هي الأيام تثبت بعد نظر مصر لينتفض المارد الصيني.
هي مصر الكبيرة المنفتحة على العالم دائما.. هي الأزهر والكنيسة.. هي الثقافة الضاربة في عمق التاريخ التي "تُصهر" الجميع في بوتقتها، وبالتالي تتعامل على أساس من الندية والمصلحة المشتركة واحترام إرادة الشعوب.. مقدمة تكون قد طالت بعض الشىء لكنها ضرورة لابد منها عند الحديث عن علاقات مصر بالعالم، وبالتالي لا أحد يزايد على القرار المصري المعتدل المستقل على مدى تاريخه .. نقول هذا بمناسبة ما صدر عن سياسيين ومسئولين أتراك بشأن الارتقاء بالعلاقات بين البلدين وفتح قنوات اتصال دبلوماسي أكثر "سعة" بعد سنوات من الجفاء والمقاطعة التي بدأها النظام التركي يوم أن ضربوا بإرادة جموع المصريين الذين خرجوا في 30 يونيه 2013 عُرض الحائط واستقبلوا قيادات جماعة إرهابية لم تغسل يدها حتى الآن من دماء أبرياء مصريين، ووفرت لهم المأوى والتمويل وحتى الجنسية، وأقامت لهم فضائيات سوداء ينعقون عبرها ليل نهار ضد مصر قيادة وشعبا ، ولم يفرق النظام التركي بين اللجوء السياسي الذي يحدد ضوابطه القانون الدولي وبين التآمر على دولة وشعب.. فالمتابع لأي فضائية سوداء تبث سمومها ضد مصر كل ليلة متخذة من أنقرة منصة انطلاق لها يكتشف الحقيقة فلا هي معارضة "ولا يحزنون" بل هي حقد أسود يتجاوز حدود النقد المباح وصل إلى حد التحريض على مؤسسات الدول المصرية وأبنائها من رجال القوات المسلحة والشرطة والقضاء والإعلام والحكومة، حتى بدا ذلك واضحا في خطاب أبعد ما يكون عن المهنية الإعلامية، وبلغت الخيانة مداها من قبل هؤلاء الإرهابيين إلى الدعوى علنا للاقتتال في الشوارع بين المصريين ، وهنا يثور السؤال: أي معارضة تلك التي تحوي مضمونا مثل هذا؟! سؤال يطرحه المصريون في ربوع المحروسة وينتظرون الإجابة عنه من الساسة الأتراك.
في النهاية تبقى كلمة .. فارق كبير بين الإرهابيين الذين تلوثت أيديهم بدماء الأبرياء وهدموا ودمروا الأخضر واليابس وبين من يعارض على أسس وثوابت وطنية.