الكلم الطيب
نزلت في حقه آيات من القرآن الكريم
في رحاب رجل من المسلمين الأوائل في مكة. لم يأبه بتحديات الكفار له. تحمل التعذيب بكل ثبات وقوة. وعندما رآه سيد الخلق "صلي اللَّه عليه وسلم" تحت وطأة القهر والتعذيب. قال "صلي اللَّه عليه وسلم": "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" هذا الصحابي الجليل هو عمَّار بن ياسر بن كنانة بن عنس بن مالك أبواليقظان.. وهو من السابقين الأولين إلي الإسلام. وقد كان حليف بني مخزوم. وأمه سمية.. ومما جاء في حقه ما قاله مجاهد: "إن أول مَن أظهر إسلامه سبعة: رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" وأبوبكر. وبلال. وخباب بن الأرت. وصُهَيب. وعمار بن سمية.
تقول كتب السيرة والتراجم: إنه كان سبب قدوم ياسر إلي مكة أنه قد قدم هو وأخوان له يقال لهما: الحارث ومالك.. وذلك في طلب أخي لهما رابع. فرجع الحارث ومالك إلي اليمن. بينما أقام ياسر بمكة. وفيها حالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عمر بن مخزوم. وتزوج أمه. فولدت له عمارًا. فأعتقه أبوحذيفة. فمن هنا صار عمار مولاً لبني مخزوم. وأبوه عربي.
نمضي مع هذا الصحابي في مسيرته القوية. التي تؤكد أن نور الدين الحنيف قد امتلك كل وجدانه. وقد كان إسلام عمار في دار الأرقم بن أبي الأرقم. وذلك مع صُهيب بن سنان في وقت واحد. ويقول عمار: لقيت صُهيب بن سنان علي باب دار الأرقم. بينما رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" في داخلها. فقلت: ما تريد؟!.. فقال: وما تريده أنت؟!.. فقلت: أردت أن أدخل علي محمد وأسمع كلامه.. فقال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" فعرض علينا الإسلام فأسلمنا.
عمار بن ياسر اطمأن قلبه للإسلام. وتمسك به حتي وهو تحت وطأة التعذيب. لم يتحرك قلبه ولو للحظة واحدة. وقد جاء عن أبومحمد عبداللَّه بن علي التكريتي بإسناده إلي أبي الحسن علي بن أحمد بن ضويه: أن قول اللَّه سبحانه وتعالي: "مَن كَفَر باللَّه مِن بَعْدِ إيمانه إلا مَن أُكْرِهَ وقلبه مُطمَئن بالإيمان. ولكنَّ من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من اللَّه ولهم عذابى أليم" "النحل: 106".. هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حيث أخذه المشركون فعذبوه عذاباً شديداً. ولم يتركوه حتي سب النبي "صلي اللَّه عليه وسلم". وذكر ألهتهم بخير. ثم تركوه. فلما أتي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" قال: ما وراءك؟!.. قال: شر يا رسول اللَّه. ثم أضاف: ما ُرِكْتَ حتي نُلت منك. وذكرت آلهتهم بخير.. قال: كيف تجد قلبك؟!.. قال: مطمئناً بالإيمان.. وهنا قال "صلي اللَّه عليه وسلم": فإن عادوا لك فعُد لهم.
وفي سيرة عمَّار بن ياسر جاء عن أبوجعفر عبداللَّه بن أحمد بإسناده إلي يونس بن بكير. عن ابن إسحاق قال: حدثني رجال من آل عمار بن ياسر: أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبداللَّه بن عمرو بن مخزوم لإخراجها من الإسلام. بينما هي أصرت علي الرفض فقتلوها. وقد جاء أن رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" كان قد مر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة. وهنا يقول "صلي اللَّه عليه وسلم": "صبراً آل ياسر.. موعدكم الجنة".
وفي هذا المسار مع عمار بن ياسر جاء عن ابن إسحاق.. قال: حدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟!.. فقال: نعم.
ومما جاء في كتاب أسد الغابة أنه جاء عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد. وهي من مناقب عمار بن ياسر.
وفي هذا السياق جاء عن علقمة عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار كلام. فأغلظت له في القول. فانطلق عمار يشكوني إلي النبي "صلي اللَّه عليه وسلم". فجاء خالد وهو يشكوه إلي النبي "صلي اللَّه عليه وسلم" قال: فجعل يغلظ له. ولا يزيده إلا غلظة. والنبي "صلي اللَّه عليه وسلم" ساكت لا يتكلم. فبكي عمار وقال: يا رسول اللَّه ألا تراه؟!.. فرفع الرسول "صلي اللَّه عليه وسلم": مَن عادي عماراً عاداه اللَّه. ومن أبغض عماراً أبغضه اللَّه. قال خالد: فخرجت. فما كان شيء أحب إليَّ من رضا عمار. فلقيته فرضي.. وعن هانئ بن هانئ. عن عليَّ قال: جاء عمار يستأذن علي النبي "صلي اللَّه عليه وسلم" فقابل: إئذنوا. مرحباً بالطيب المطيب..
وإلي لقاء آخر مع هذا الصحابي الطيب بإذن اللَّه وتوفيقه.