رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

هذه الدنيا

للسيد المسيح مقولة يحذر فيها من إزدواجية المعايير: "يا مرائى، أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدًا أن تخرج القذى من عين أخيك". (متى 7:5)

والمرائى هو المنافق الذى يظهر بوجهين ويتحدث بلسانين. والنفاق هو السلوك الذى يتعامى فيه الشخص عن عيوبه الكارثية حتى أنه لم ير الخشبة التى تسد عينه وتحجب عنه الرؤية السليمة، ثم نجده لا يخجل من الحديث عن بعض الهنات لدى الآخرين رغم أنها لا تمثل شيئًا يُذكر مما لديه.

وما يُقال عن الأفراد يسرى أيضًا على الأمم والمجتمعات، والواقع السياسى خير شاهد، وأصبحنا نرى من الأمم من تأمر غيرها بالبر وتنسى أنفسها.

وهذا ما تفعله الولايات المتحدة بشكل واضح عبر إداراتها المختلفة، حيث لا فرق بين جمهورى وديمقراطى، فالجوهر واحد، والاختلاف فقط فى الشكل والآليات وتكتيكات التحرك.

ومن أسف أن الإدارات الأمريكية التى ترفع لواء حماية حقوق الإنسان فى العالم هى أول من انتهكت هذه الحقوق وأطاحت بها لأغراض ومصالح سياسية بحتة، والتاريخ خير شاهد. ففى خضم الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى عقب الحرب العالمية الثانية، وهو ما عرف بـ"الحرب الباردة"، كانت الولايات المتحدة هى الداعم الأول للفصائل المتناحرة فى أفغانستان، وقدمت الدعم بكل أشكاله العسكرية والمادية والمخابراتية للتنظيمات العسكرية هناك، ووقفت وراء تشكيل تنظيم القاعدة وحركة طالبان، دون أن تدرى أنها ستكتوى بنيران هذا الإرهاب الذى تزرع بذوره، وهو ما حدث فعلًا فى أحداث 11 سبتمبر 2001 التى تتحمل أمريكا نفسها مسئوليتها الأولى لأنها لم تخرج فى قليل أو كثير من تفاصيلها عن سياسات ملتوية لجأت إليها فى سبعينيات القرن الماضى. ثم عادت الولايات المتحدة لتستخدم هذه الهجمات الإرهابية التى تتحمل مسئوليتها وتتخذها مبررًا لمحاربة الإرهاب فى المنطقة، وكان الغزو الأمريكى للعراق 2003 مستندًا إلى تقارير مخابراتية "فشنك" تتحدث عن امتلاك العراق لترسانة أسلحة نووية ثبت أنه لا وجود لها إلا فى خيال من كتبوها.

وإذا تأملنا الضربات العسكرية الأمريكية الأخيرة على بعض النقاط الحدودية بين سوريا والعراق والتى قيل أنها تستهدف بعض الميليشات الإيرانية التى سبق أن نفذت عمليات ضد القوات الأمريكية فى مطار أربيل بالعراق، نجد أننا أمام تحرك يفتقد لأى هدف واضح وحقيقى فى ضوء هزلية ومحدودية الضربة، وما أعقبها من غطاء إعلامى مكثف كان أقرب للتبرير والإعتذار منه للكشف والتوضيح.

إن الولايات المتحدة ترتبط بعلاقة شراكة استراتيجية غير مكتوبة وغير معلنة مع إيران، وتتبادل معها الأدوار بترتيب متقن منذ أحداث 11 سبتمبر، فلولا التعاون الإيرانى والتركى الوثيق مع أمريكا وفتح الدولتين أراضيهما ومجالاتهما الجوية أمام القوات الأمريكية لما كان لها موطئ قدم فى أفغانستان.

نفس الأمر حدث بشكل أكثر حدة بعد الغزو الأمريكى للعراق الذى يخضع لإدارة أمريكية إيرانية مشتركة تتقاسمان فيها النفوذ على ثروته وأراضيه وفق صراع محكوم يُدار بدقة وله سقف وخطوط حمراء لا تتعداها واشنطن وطهران اللتان لا ترغبان فى مواجهة عسكرية مباشرة، وما حدث فى الهجمات الأخيرة خير دليل.

ومنذ احتلال العراق قبل 18 عامًا يستطيع أى مهتم بحقوق الإنسان أن يرصد قائمة لا حصر لها من الانتهاك التى تورطت فيها القوات الأمريكية ضد الشعب العراقى، والجرائم الأخلاقية التى ارتكبها المتعهدون الأمريكيون – أفرادا وشركات أمن - بحق أبناء هذا الشعب الشقيق فى سجن "أبو غريب" وقبله فى معتقل "جوانتانامو" سيئ السمعة الذى أقيم جنوب شرق كوبا، وخارج الحدود الأمريكية حتى تمارس فيه أجهزة التحقيق سلطات مطلقة وغير مقيدة بأى قانون فى عمليات استجواب من يُشتبه فى كونهم إرهابيين، دون أى التزام بقوانين حقوق الإنسان إلى الحد الذى جعل منظمة العفو الدولية تصف هذا المعتقل الأمريكى بأنه "يمثل همجية هذا العصر".

فى ضوء كل هذه الخلفيات التاريخية، والمواقف القاطعة للإدارات الأمريكية المختلفة من قضية حقوق الإنسان، لا يستطيع أى منصف أن ينظر إلى التقرير المخابراتى الأخير حول قضية مقتل الصحفى السعودى جمال خاشقجى سوى أنه مجرد "ورقة محروقة ومستهلكة" تستهدف ابتزاز السعودية، والمساس بسيادتها، وهو أمر يرفضه أى مصرى وعربى، بل إن الرد عليه واجب كل إنسان قارئ لتاريخ المملكة ومواقفها الداعمة والمناصرة لقضايا العرب.

وفى التراث الشعبى مثل شهير يقول: "إن التاجر حين يفلس يبحث فى دفاتره القديمة"، وأغلب الظن أن شيئا من هذا تفعله الإدارة الأمريكية الجديدة، إذ أن التقرير خلا من أى معلومات موثقة يمكن الاستناد إليها فى إقناع من يقرأه بمسئولية الدولة السعودية الرسمية عن هذه الجريمة، والمسألة لا تعدو أكثر من عملية استهداف للأمير محمد بن سلمان ولى عهد المملكة العربية السعودية وهو يقود جهودًا غير مسبوقة لتحديث المملكة برعاية ودعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. عملية تحديث قوية وصادقة تشمل كافة مناحى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتضع السعودية فى صدارة الدول الحداثية العصرية، وقد تجلت ملامح ذلك خلال رئاسة المملكة لقمة مجموعة العشرين خلال عام 2020 وهى القمة "الأصعب" التى عُقدت فى ظروف استثنائية غير مسبوقة فرضتها جائحة "كورونا" بما استلزمه ذلك من إعادة تقييم وإصلاح المشهد العالمى بأكمله، نظرًا لما كشفته هذه الجائحة من خلل فى النظم الصحية والاجتماعية بكل دول العالم بلا استثناء وفى مقدمتها الولايات المتحدة نفسها التى احتلت الصدارة فى أعداد الوفيات والإصابات.

إن متابعة البيان الختامى الصادر عن قمة العشرين برئاسة السعودية يوم 22 نوفمبر 2020، وما حفل به من تعهدات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: تقديم الدعم المباشر للدول ذات الاقتصاديات الهشة باسقاط جزء من ديونها، وتعليق مدفوعات الدين حتى منتصف عام 2021 بإجمالى 7ر5 مليار دولار أمريكى تستفيد منه 46 دولة، ودعم الأنظمة الصحية، وتوفير أكثر من مليارى لقاح للدول الأكثر احتياجًا، والإصلاح المالى والتوجيه بالاستثمار فى البنية التحتية، والحفاظ على البيئة وغيرها من القرارات التى بلغ عددها 28 قرارًا خرجت عن هذه القمة، كل هذا يكشف حجم الجهد الكبير الذى تبذله السعودية الحديثة لبناء نظام عالمى أكثر عدلا ورحمة، وهذه التوصيات ما كان لمجموعة العشرين أن تتبناها وتوافق عليها لولا ما تحظى به السعودية من مصداقية على الصعيد العالمى.

أما فيما يتعلق بقضية الصحفى خاشقجى، فالأمر تم حسمه من جانب القضاء السعودى، والسعودية لديها جهاز قضائى يحظى بقدر عال من المصداقية والاستقلالية لم تمنعه من الحكم على أحد أمراء الأسرة المالكة بالإعدام، وهى واحدة من أهم القضايا التى اهتم بها الرأى العام داخل السعودية وخارجها، حيث تم تنفيذ هذا الحكم فعلا فى شهر أكتوبر 2016 دون أن تشفع لهذا الأمير أى روابط عائلية كونه ينتمى للأسرة المالكة، وتم التنفيذ بعد أن رفضت عائلة القتيل قبول "الدية" أى الحصول على تعويض مالى مقابل التخلى عن حكم الإعدام. لم يتدخل الملك سلمان من قريب أو بعيد فى القضية، ولم يمارس الأمير محمد بن سلمان أى ضغوط من أى نوع لإنقاذ رقبة أحد أفراد العائلة، وكانت كلمة القانون فوق الجميع.

إن التهجم على السعودية ومحاولة ابتزازها عملية مفضوحة، ولا تخرج عن كونها أحقاد على ما تشهده من عمليات تطوير متلاحقة لمواكبة العصر، وتحديث اقتصادها وفق رؤية 2030 للتحول من الاقتصاد النفطى الكلاسيكى لاقتصاد القيمة المضافة.
ونصيحتى للسادة فى الكونجرس والبنتاجون والبيت الأبيض: العبوا غيرها!!

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة