الكلم الطيب
منذ أن أشرقت أنوار الإسلام ودعوة الحق التي جاء بها سيد الخلق محمد بن عبداللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" والكثير من أهل مكة يناصبونه العداء ويقفون لدعوته بالمرصاد ويصدون الناس عنه. ويستخدمون كل الوسائل لإبعاد كل من ينضم لدعوة رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم".
كُتُب السيرة والتراجم زاخرة بالكثير من الأحداث والمواقف التي كان يقوم بها المشركون ضد كل من ينضم للدين الحنيف ومن بين هؤلاء رجل يُدعي عُمَير بن حُذافة القرشي. ويُكَنَّي أبا أمية. كان له قدر وشرف في قريش. وهو ابن عم صفوان بن خلف. وهو من أشد الأعداء لرسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" ودعوته.. عُمَير شهد غزوة بدر وهو في صفوف المشركين. وكان من أبطال قريش وشياطينهم. وهو الذي مشي حول المسلمين ليحصر أعدادهم. فلما انهزم المشركون كان عُمَير فيمن نجا. بينما أُسر ابنه وهب بن عُمَير يومئذي.. فلما عاد المنهزمون إلي مكة جلس عُمَير مع صفوان بن أمية بن خلف. وفي تلك اللحظات قال صفوان: قَبَّح اللَّه العيش بعد قَتْلَي بدر.. وهنا رد عليه عُمَير قائلاً: أجل.. ثم أضاف: ولولا دين عليَّ لا أجد قضاءه. وعيالاً لا أدع لهم شيئاً. لخرجت إلي محمد فقتلته إن ملأت عينيَّ منه. خاصة أن لديَّ حُجَّة أتعلل بها وتتمثل في قولي إني قدمت من أجل ابني الأسير لديهم. وبمجرد أن سمع صفوان هذه الكلمات من عُمَير. تهلل وجهه فرحاً. وانطلق يقول: عليَّ سداد دينك ورعاية عيالك أسوة بعيالي في النفقة. ثم قام صفوان بتجهيز عُمَير وأمر له بسيف. ثم قام بتسميمه. بالإضافة إلي صقله علي أعلي مستوي.
بعد هذا الاستعداد والتجهيز انطلق عُمَير متوجهاً إلي المدينة المنورة. ونزل في المسجد الذي كان يجلس به رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم". وعندما لمحه عمر بن الخطاب ــ رضي اللَّه عنه ــ وهو جالس مع نفر من الأنصار يتحدثون عن غزوة بدر. ويتذكرون نِعَم اللَّه عليهم فيها. وفي تلك اللحظات أصاب الفزع عُمر بن الخطاب ــ رضي اللَّه عنه ــ فقال: هذا عُمَير بن وهب قد دخل علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم". ثم قال عُمر: هذا عدو اللَّه الذي حصرنا للأعداء يوم بدر. ثم قام عُمر ــ رضي اللَّه عنه ــ فدخل علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" فقال: هذا عُمَير بن وهب قد دخل المسجد متقلداً سيفاً وهو الغادر الفاجر يا رسول اللَّه. لا تأمنه علي شيء. قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": أدخله عليَّ. وهنا خرج عُمر فأمر أصحابه قائلاً: أدخلوا عُمَير علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" واحترسوا من عُمَير. ثم أقبل عُمر وعُمَير علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" ومع عُمَير سيفه وفي تلك اللحظات دخل عُمر وعُمَير علي رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" فقال عُمَير: أنعموا صباحاً. وهي تحيتهم في الجاهلية.. فقال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": قد أكرمنا عن تحيتك. السلام تحية أهل الجنة.
بعد هذه التحية كانت المفاجأة من رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" حيث توجه بالحديث إلي عُمَير قائلاً: ما الذي أقدمك يا عُمَير؟!.. فقال: جئت من أجل أسير.. يقصد ابنه وهب. ثم أردف عُمَير قائلاً: ففادونا في أسيركم. فأنتم الأهل والعشيرة. فقال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": فما بَالُ السيف في رقبتك؟!.. وهنا حاول عُمَير المراوغة قائلاً: من أجل أسيري. ثم أضاف بحيلة الماكر قائلاً: وهل أغنت عنا من شيء؟!.. إنما نسيته حين نزلت.. وهنا قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": اصدُقْنِي يا عُمَير.. فظل يراوغ.. وهنا كانت المفاجأة التي أذهلت عُمَير. حيث قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": فما الذي شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟!.. وهنا ارتعد عُمَير واستمر في المراوغة قائلاً: ما شرطت له شيئاً.. وهنا قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": ألم تتفق معه علي قتلي علي أن يتولي صفوان بن أمية سداد دينك ويعول أبناءك؟!.. لكن اللَّه حائلى بيني وبينك.. وهنا قال عُمَير: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه.. ثم أضاف والمفاجأة جعلت أعصابه ترتعد. فقال: يا رسول اللَّه كُنَّا نُكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء. ثم أضاف: يا رسول اللَّه إن هذا الحديث وذلك الاتفاق كان بيني وبين صفوان في منطقة الحجر بمكة. ثم قال: الحمد للَّه الذي ساقني هذا المساق لكي أحضر إليك. وقد آمنْتُ باللَّه ورسوله.. وهنا عَمَّ الفرح أصحاب رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" لأن اللَّه سبحانه وتعالي هداه للدين الحنيف.. وقال عُمر بن الخطاب ــ رضي اللَّه عنه ــ: والذي نفسي بيده لخنزير كان أحب إليَّ من عُمَير. حين طلع. وأنه اليوم أحب إليَّ من بعض وَلَدِي. وهنا قال رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم": اجلس يا عُمَير نؤانسك. ثم قال "صلي اللَّه عليه وسلم" لأصحابه: علِّمُوا أخاكم القرآن. وأطلقوا له أسيره. وهنا قال عُمَير: الحمد للَّه الذي هداني للإسلام.. ثم قال: إئذن لي يا رسول اللَّه أن أعود لقريش. فأدعوهم للإسلام. لعل اللَّه يهديهم. فأذن رسول اللَّه "صلي اللَّه عليه وسلم" له وأخذ عُمَير يدعو أهل مكة للإسلام. فهدي اللَّه عليه يديه بشر كثير. إنه نور اللَّه الذي يهدي به مَن يشاء. وللَّه الأمر من قبل ومن بعد.