هو أخ لم يجد الزمان بمثله بين الأخوة، فرغم أنه لم يكن أخ شقيق من الأم، ورغم تمييز أخوته عليه، ووضعهم في مكانة أعلى منه، لم تدخل الغيرة قلبه لحظة، حُسن الظن ملأ شرايينه واوردته، فاستقبل كل ما يقال له ويُفعل تجاهه بمحمل طيب.
لم يقف المجتمع تجاه تلك العلاقة الرائعة مكتوفي الحيل، بل كانوا يوغرون صدره، ويشحنون نقاءه بالدسائس لأخوته، مجتمع النميمة ظل يطارده: لماذا أخوتك في منزلة أفضل منك؟ كيف لأبيك أن يحبهم كل هذا الحب دونك؟ ورغم ذلك لم يكن ينصت لهم، بل كان يرد عليهم ردود شديدة الحكمة نادرة اليقين لدى شاب يافع مثله.
وتخيلت: أن تكون في حياتنا قدوة غير قصة مقتل قابيل لأخيه هابيل! قدوة تبدل من حال علاقات باتت تتسم في أقل تقدير بالبرودة والأنانية، وسوء ظن يقطع أي تواصل أو تراحم بينها.
نموذج لأخوة ممتلئة بالحب والحنان والتضحية، هو الأخ الرائع "محمد بن علي بن أبي طالب"، وتبدأ القصة منذ تسميته. اثناء حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، سأله علي كرم الله وجهه: يا رسول الله أرايت أن ولدًا لي ولد من بعدك أفأسميه باسمك؟ فقال: نعم.
بعد وفاة السيدة فاطمة، تزوج علي بعدها من خولة بنت جعفر الحنفية، أنجب منها مولودًا سماه محمدًا وكناه بأبي القاسم، لكن بعد فترة غير الناس مناداته إلى محمد بن الحنفية، نسبة لأمه وتمييزًا عن أخويه الحسن والحسين أبناء السيدة فاطمة رضى الله عنها.
رباه علي كرم الله وجهه تربية كريمة فورث منه شجاعته وزهده، وتعلم منه فصاحته وبلاغته. قالوا عنه (راهب من رهبان الليل، وفارس من فرسان النهار). شارك بجوار والده في حروب، قاتل بشجاعة فائقة في معركتي الجمل وصفين.
فقالوا له يا محمّد بن الحنفية: لِمَ يغرر بك أبوك في الحرب، ولا يغرر بالحسن والحسين؟ رد عليهم: إنّهما عيناه، وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه.
بعقل رشيد اعتزل بن الحنفية الفتنة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان، أبى أن يُشترى بمال وجاه، رفض أن يشارك في سفك دماء مسلم، ودفع الثمن باهظًا، هام بين البلاد لا يستقر في مكان.. وبحكمة بالغة صد من حاولوا خلق بدعة أنه "مهدي"!
مواقف عديدة وتفاصيل أخوية رائعة لم يسعها المقال، انصحكم بالاطلاع عليها.
لخصها رثاء محمد بن الحنفية، لحظة دفن أخيه الحسن بعد أن قام بغُسله مع أخيه الحسين، قال فيه: رَحِمَك اللهُ يا أبا محمّد، فلئن عَزَّتْ حياتُك، فلقد هَدَّتْ وفاتُك، ولَنِعمَ الروحُ روحٌ ضمّه بدنُك، ولَنِعمَ البدنُ بدنٌ ضمّه كفَنُك. وكيف لا يكون ذلك وأنت بقيّةُ وُلْد الأنبياء، وسليلُ الهدى وخامسُ أصحاب الكساء، وغَذَتْك أكُفُّ الحقّ ورُبّيتَ في حِجْر الإسلام، فطِبْت حيًّا وطِبْتَ ميّتًا، وإنْ كانت أنفسُنا غيرَ طيّبةٍ بفراقك.