لوجه الله:
لا تزال الرؤية الشرعية لتنظيم النسل أو تحديده غير واضحة- للأسف- فى أذهان كثير من الناس وخاصة هؤلاء البسطاء الذين يصرون على انجاب أطفال بشكل عشوائى دون أن يكون لديهم القدرة على رعايتهم تربويا وصحيا واجتماعيا، ودون قدرتهم على توفير مقومات الحياة الكريمة لهم.
والواقع أن هذه الرؤية المعتمة ساعد عليها عدد غير قليل من علماء الدين ودعاته، فلا يزال البعض منهم يدعم الانجاب العشوائى لمحدودى الدخل، ويفتى دون علم أو ادراك بالمخاطر التى يعانى منها المجتمع، أو تتعرض لها الأسرة نتيجة انجاب أطفال لا تستطيع رعايتهم، وتتركهم عالة على المجتمع كله.
قضية تنظيم الأسرة لم يحرمها الدين، وهى ليست شائكة بالشكل الذي يصورها به البعض من العلماء والدعاه، فالدين - إسلامى أو مسيحى- من خلال تعاليمه وتوجيهاته يحرص أشد الحرص على قوة المجتمع وسلامة بنيانه، ويوجه أتباعه الى ما يرقى بحياتهم وحماية أسرهم من بكل الوسائل، وهذا الدين لا يقبل إطلاقا أن تنجب أسرة محدودة الدخل أطفالا ثم تتركهم عالة على الآخرين.
**
نعم.. حفظ النسل هو أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، وهذا يعني بصفة عامة المحافظة على النوع الإنساني، كما يعني أيضا المحافظة على الأسرة التي تعد الخلية الأولى في تكوين أي مجتمع إنساني سليم..وهنا قد يتساءل البعض: إذا كان الإسلام قد جعل من حفظ النسل أحد مقاصده الضرورية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها، فكيف يتفق ذلك مع الدعوة إلى تنظيم النسل والحد من تكاثره؟ ألا تتعارض هذه الدعوة مع الحديث الشريف القائل "تناكحوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"؟.
الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها حسمها علماء كبار وأكدوا أن تنظيم الأسرة تتفق مع مقاصد الدين، وهذا ما ينبغى أن ينقله علماء ودعاة الأزهر والأوقاف للجماهير فى كل مكان وخاصة فى المناطق الشعبية والقرى والنجوع حيث تغيب الرؤية الدينية الصحيحة عن حياة كثير من الأسر البسيطة.
الدين لا يريد كثرة ضعيفة تكون عالة على المجتمع، ولا تستطيع أن تعيش حياة كريمة.. الدين يريد كثرة قوية تتوفر لها الامكانات الاقتصادية والرعاية الصحية والتربوية والأخلاقية ليكون الأبناء أفرادا أقوياء فى صحتهم وعلمهم وتتوافر لهم مقومات الحياة الكريمة.
لقد أفتى علماء الإسلام الثقات أنه فى ظل عدم توافر مقومات الحياة الكريمة لكل أبناء الأسر التى تنجب بشكل عشوائى يصبح تنظيم الأسرة- بمعنى الاكتفاء بعدد معين من الأبناء يتناسب مع ظروف كل أسرة- مطلبا شرعيا، فالقلة القوية أفضل عند الله وأفضل للوطن – واقعه ومستقبله- من كثرة عشوائية ضعيفة.
لقد أوضح العلماء أن كثرة الأولاد التى يتحدث عنها التوجيه النبوى الكريم لا يمكن أن تكون هي مجرد الكثرة العددية التي أطلق عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصف "غثاء السيل" في حديثه المعروف "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أمن قلة نحن حينئذ يا رسول الله؟ قال لا، فأنتم حينئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل".. والقرآن الكريم يؤكد على أن الفئة القليلة عددا القوية إيمانا واستعدادا في قوله تعالى: "كم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ" هى ما يريده الإسلام ويسعى إليه.
**
لقد أفتى علماء أزهر محل ثقتنا وتقديرنا جميعا منهم المرحوم الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر السابق والمرحوم الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف الأسبق فتاوى رسمية تؤكد أن تنظيم النسل ليس مرفوضا ولا مدانا في ميزان شريعتنا الإسلامية، بل قد يكون ضرورة دينية ووطنية توجبه على الأسر محدودة الدخل، وأوضحوا أن الحكم الشرعي فيها يختلف من دولة إلى أخرى فهناك مجتمعات تحتاج إلى زيادة عدد السكان للقيام بواجب الحماية وتحقق متطلبات التنمية الشاملة التي تعيشها هذه الدول مثل دول الخليج مثلا، وفي مثل هذه الدول تكون الكثرة العددية مطلوبة شرعا، ويجب أن تتخذ كافة الوسائل لزيادتها، وفي دول أخرى من بينها مصر تعاني من زيادة مطردة في عدد السكان تفرض الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها الدولة العمل على ترشيد الإنجاب بالوسائل المشروعة، فنحن في مصر مثلا نعاني من محدودية الموارد وزيادة الإنفاق نظرا للزيادة الرهيبة في عدد السكان التي تزيد عن مليونين سنويا، ولو استمرت زيادة السكان على هذا المعدل فإن خطط التنمية على جميع المستويات ستتوقف.
ومن هنا فإن مصلحة مجتمعات عربية مثل مصر في ظل الظروف والتحديات الخطيرة تحتم اللجوء إلى تنظيم الأسرة للحد من هذه الزيادة المخيفة حتى يمكن توفير أسباب العيش الكريم للمواطنين.
لذلك ننتظر من علماء ودعاة الأزهر وزارة الأوقاف ورجال الدين المسيحى جهودا توعوية أكبر خلال الأيام القادمة.. ننتظر من دعاتنا وخطباء مساجدنا أن يقدموا الحكم الشرعي الصحيح للمواطنين من خلال خطب الجمعة والندوات والفعاليات الثقافية والبرامج الفضائية ومن خلال جهودهم في مختلف وسائل الإعلام، نتمنى أن تتواصل جهود هؤلاء العلماء والدعاة ويكون لهم دور فعال في الحد من الزيادة الرهيبة في عدد السكان حماية للأجيال الجديدة وحرصا على توفير مقومات الحياة الكريمة لهم.