أحب تلك السيدة حبًا جمًا، أعتبرها قدوتي في الحياة، وأتمنى أن أكون بصحبتها في الآخرة. قصة حياتها ثرية، مليئة بالأحداث والابتلاءات العظمى، عاشت رحلة كفاح عظيمة بقدر عظمة وقوة شخصيتها.
كانت امرأة عاملة، رغم كونها من أسرة مشهورة بثرائها مال وجاه، لكنها لم تركن لهذا، بل اعتمدت على نفسها، واستطاعت بذكائها وقدرتها على القيادة في زيادة مالها وربح تجارتها.. اختارت عمالها ومساعديها بعناية فائقة، ممن يتسمون بالأمانة والهمة. حتى التقت به، واختارته زوجا لها، رغم الفارق الطبقي بينهما وكذلك الفارق في العمر، فقد كانت تكبره في السن، ورغم ذلك ارتبطا بحب كبير، وتزوجا وأنجبا الأبناء. اعتمدت عليه في تجارتها، فزادت ربحًا وثراء.
حين هاجم قومها زوجها، واتهموه كذبًا، وحاولوا تشويه سمعته، وقفت بجواره ساندته آزرته بكل قوة. تحملت عنه أعباء رعاية الأبناء، ومشاكل البيت ومسئولياته، تركته يتفرغ لما آمن به، لم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد، بل استعانت بقريب لها، كي يؤكد ويعلن براءة زوجها وصدقه، كانت تسير إليه مسافات طويلة لتوصل إليه الطعام والشراب، وتودعه بالكلمات الطيبة والتشجيع بكل الحب والإيمان به.
آلا تستحق تلك السيدة أن يتمعن في قصتها شباب اليوم، أن يدرس قصة حياتها حديثي العهد بالزواج، يتعلمون منها معنى العطاء الحقيقي، معنى التضحية وبذل الجهد والمال من أجل أسرتها وبيتها وزوجها!
هي سيدة العالمين، وأم المؤمنين، السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، أول زوجة لرسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. بعد مرور خمسة عشر عامًا من زواجهما، نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
لقبت السيدة خديجة قبل الإسلام ب"الطاهرة" لشهرتها بين قومها قريش بالطهارة والعفة.. وبعد أن نزل الوحي على سيدنا محمد، وجاء لها مرتعدًا، قائلا "زملوني" زملته وهدأت منه بقلبها الذي يشع حنانًا وحبًا، ثم تحرك ذكاؤها لابن عمها ورقة ابن نوفل، تقص عليه ما حدث، كي يعلن لها أن محمد رسول من رب العالمين، فكانت أول من آمن به، وكيف لا؟! وهو طوال عمره يلقب بـ"الصادق الأمين".
كل هذا الحب والعطاء الصادق من السيدة خديجة، قابله حب واخلاص ووفاء لها من زوجها رسولنا الكريم، فأشبعته وملأت قلبه وحياته، ولم يفكر في الزواج وهي معه، كان يمدحها ويثني عليها أمام الناس، وكان يقول "إني قد رزقت حبها". وقد بشره جبريل عليه السلام قائلًا "إذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب".
توفيت السيدة خديجة في سن الخمسة وستين عامًا، وأطلق على العام الذي توفيت فيه "عام الحزن" حيث توفي في العام نفسه أبوطالب عم الرسول.
تفاصيل حياتها لا يسعها مقال، ففي كل تفصيلة درس وعبرة نتعلم منها، ولعلنا نعتبر ونتعظ!