بنات أفكارى
كانت توقعاتنا بسيطة، كل أحلامنا أن نتخلص من العمر الصغير، بما يحمله من متاعب ومشاكل وضغوط على قدر تفكيرنا، كالاستيقاط المبكر للمدرسة فى عز الشتاء، وحضور الحصص والخوف من غضب الأساتذة، والامتحانات الشهرية وتوتر الأعصاب وملل المذاكرة والدرجات وما تحمله من ترقب من رد فعل أولياء أمورنا، أكبر همنا أن نلعب مع أصدقائنا وقت رغبتنا وليس بأمر الكبار، وحبنا لتملك أكبر عدد من ألعاب الأطفال مهما كان سعرها وقيمتها، بُكاؤنا كان من الوقوع أو جرح بسيط من كثرة اللهو بشغف أوالخوف من الظلمة أو الأشخاص أو مشهد تمثيلى، وأحياناً نصرخ عنداً أو من الملل.
خلافاتنا مع الأصدقاء بسبب الجلوس فى أول مقعد فى الفصل والطابور الصباحى، وتحية العلم، وتقديم الإذاعة المدرسية، أو الإمساك بنا فى الاستغماية والكهربا وكيكا على العالى وكيكا على الواطى، ومن منا الفائز والخاسر فى الليدو وبنك الحظ، والمحظوظ من يتشاجر على جيم بجهاز الأتارى، لم نشعر بفقد الأعزاء كثيراً..
أيام بل ساعات قليلة ثم ننسى ونخرج مع أقراننا للعب والضحك، كنا نحب الكبار وهيبتهم، وتفردهم بالحصول على الأموال والتصرف فيها بلا استئذان، كان هدوء المنزل مصدر قلق وتوتر لنا، أما الجرى والقفز على الأثاث والصياح بالصوت العالى كان فرحة وسعادة، لم ندرك منع أهالينا من متعتنا، وتصورناها تًحكما وتسلطا علينا بحُكم سنهم الكبير، أمور كثيرة فى طفولتنا سببت لنا أرقا وجهدا نفسيا جعلتنا نتمنى أن نشب سريعاً ونصبح كباراً، اعتقاداً منا أن عالم الكبار سحرى وحلال للمشاكل والعقد.
ومرت السنوات كلمح البصر، لدرجة عدم وعينا بعمرنا الحقيقى، حتى لقبنا الصغار بـ"طنط أو عمو"، وحضرنا حفلات زفاف من كنا نحملهم بين إيدينا ونداعبهم، وصلنا للعمر الذى حلمنا به قديماً، دون أن نلاحظ المفاجأة غير المتوقعة، أن ما كنا نقلق منه وهربنا منه كان جزءا ضئيلا جداً أمام هموم وكروب وضغوط وجراح الكبار، وأدركنا تسلطهم وقراراتهم التى أغضبتنا قديماً، لم تكن تًحكُما بل حِكمة وتعقُلا لمصلحتنا، وامتلاكهم المال لم يكن للتمتع بشراء الحلويات الجميلة كما توقعنا بل كان لضبط الميزانية وتسديد الأقساط ودفع الفواتير.
بات الهدوء أهم من الصياح، والراحة أمر حتمى لاستكمال مهام حياتنا اليومية، والتنزه والرحلات والمصايف لم تعد ترفيهاً ومتعة بل ترتيب وإعداد طعام وادخار نقود، والبكاء لم يعد متاحاً أمام الناس بل يجب أن نكتمه حتى لا يظهر ضعفنا أو نقلق أحباءنا.
كبارنا ضعفوا ووهنوا، عادوا صغاراً يبكون ويصرخون يحتاجون المساعدة والترويح عن النفس، يرغبون فى الحلويات والتى قد تؤذى صحتهم، يقتضى رعايتهم وتعاملهم الهين اللين، أما فقدهم أو مجرد الإحساس بذلك مؤلم وصعب تخطيه أونسيانه بسهولة.
وصلنا لأصعب سن، لسنا صغاراً مسئولياتنا وأحلامنا بسيطة وإسعادنا سهل المنال وأفعالنا بلا مبالاة، ولم نصل لسن الشيخوخة الذين يحتاجون الاهتمام والعناية والتغافل والتجاهل عن أى تصرف قد يسبب الضيق.
مرحلة منتصف العمر ووصولنا إلى سن الأربعين أو الخمسين ليست "أزمة" كما يتم وصفها، بل "ورطة منتصف العمر"، مرحلة انتقالية ننضج فيها بسرعة ونقيم حياتنا فجأة، نتخذ قراراتنا بتفكير وعمق، فكل المواقف متوقعة، ومعظم النهايات لم تعد مرضية كأحلام الصغار.