الكلم الطيب
نستكمل اليوم مسيرة الصحابي معاذ بن جبل الذي تناولنا مسيرته في سطور سابقة. مواقفه وصموده في مواجهة تحديات الحياة وكيف تغلَّب علي المتاعب والظروف التي جعلته يقترض من الآخرين حتي تكاثرت الديون عليه وأقبل الدائنون إلي مجلس رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ مطالبين بسداد أموالهم وعندما وجد رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ صعوبة موقفه تبرع له بكل ماله في محاولة لتخفيف الأعباء علي معاذ بن جبل.
ظل هذا الصحابي في مواقفه العزيمة تتجلي بأسمي صورها ولا غرو فهو من أهل القرآن وقد جاء عن سيد الخلق ــ صلي الله عليه وسلم ــ أنه قال: خذوا القرآن عن أربعة من ابن مسعود. وأبي بن كعب. ومعاذ بن جبل. وسالم مولي أبي حذيفة.
من المواقف التي سجلتها كتب السيرة والتراجم عن معاذ بن جبل أن الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ قد أرسله إلي اليمن وقال له كلمات تعبر عن مدي تقدير سيد الخلق لهذا الصحابي الأنصاري الخزرجي وتتمثل هذه الكلمات في قول رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ "لعل الله يجبرك. ويؤدي عنك دينك" وقد قام معاذ بن جبل بإعداد نفسه للتوجه إلي اليمن تنفيذاً لتعليمات رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ متطلعاً إلي لطف الله وإعانته علي مختلف الأعباء التي أثقلت كاهله واضطرته للاستدانة من الآخرين وقبل أن يغادر معاذ ابن جبل مجلس الرسول الكريم جري حوار بينهما دارت فصوله كالتالي:
الرسول: يا معاذ كيف تقضي بين الناس إذا حدثت مشاكل تتطلب حلولاً؟!
معاذ بن جبل: أستعين بكتاب الله.
رسول الله: إن لم تجد؟
معاذ: أستعين بسُنَّة رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ.
الرسول: إذا لم تجد؟
معاذ: أجتهد رأيي ولا آلو أي لا أقصر؟!
عقب تلك الإجابة التي جاءت علي لسان معاذ بن جبل أشاد به رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ بتلك الآراء التي صدرت عن معاذ وأثني عليه قائلاً: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يحبه الله ورسوله. بهذه العبارات التي تقطر عطفاً ومحبة لكل تصرفات معاذ التي عبر عنها بكل صفاء النفس والعزيمة الصادقة لتنفيذ أوامر الله ورسوله واضعاً نصب عينيه قول الله تعالي: "وأطيعوا الله والرسول لعلكم تُرحمون" الآية 132 سورة آل عمران.
بعد أن سمع الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ تلك الإجابات من معاذ علي كل التساؤلات التي طرحها سيد الخلق ــ صلي الله عليه وسلم ــ هنا بدا البِشْر علي وجه رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ وقال مسروراً وهو يضرب معاذ في صدره بكل حنان وحب وتقدير لهذا الصحابي الذي كان مدركاً لتلك المهام التي كلفه بها رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ ثم أضاف رسول الله ــ صلي الله عليه وسلم ــ قوله: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله.
لقد كان سيد الخلق ــ صلي الله عليه وسلم ــ حريصاً أشد الحرص علي معرفة كل شيء عن تصرفات معاذ بن جبل بين الناس. خاصة أنه ــ صلي الله عليه وسلم ــ يريد أن تكون موازين العدل هي الأساس في الفصل في كل المشاكل والقضايا التي يتعرض لها معاذ وغيره من الذين يُسند إليهم أي شأن من شئون الأمة. ليتنا جميعاً نستلهم تلك الحقائق والأنوار المبهرة في حياتنا. هدانا الله جميعاً إلي الصراط المستقيم!!