رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

صباح الإثنين

لا أعلم لماذا ـ كغيري كثيرين ـ لم أستطع أن أصدق فحوى الاستجواب الذي قدمه الزميل مصطفى بكري عضو مجلس النواب، في إحدي جلسات المجلس في الأيام القليلة الماضية إلي وزير الاستثمار، وهو الاستجواب المتعلق ببيع شركة الحديد والصلب، وهي شركة كانت رائدة عندما كان الضمير يقظًا والعاملون فيها قلوبهم على الشركة.

ومصطفي بكري ـ مع حفظ الألقاب ـ زميل عزيز وصحفي "شاطر" وأبدع في كيفية عمل صحيفة خاصة كانت في فترة من الفترات من أقوى الصحف الورقية في مصر، وتحديدًا في تسعينات القرن الماضي، ولكن ما يذهلك أن بكري قد احتفظ بمكانته وعضويته في مجلس النواب في كل العصور، وهي مهارة يحسد عليها..

علي كل حال نحن لا نحقد عليه ولا نقلل من وطنيته، ولكن دعنا نعود لموضوع الاستجواب وهو ـ حسب معلوماتي، وهو يدرك ذلك أكثر مني طبعًا ـ أن موضوع الاستجواب قد لا يكون في محله ومثلما قلت هو صحفي شاطر ويدرك أكثر منا أن تقريبًا قصة البيع تكاد تكون منتهية.. وهي مسألة وقت لا أكثر.. والحكومة لديها مبررها في ذلك.. أو إن شئت الدقة في أخذ تلك الخطوة الصادمة لبعض البعيدين عن الموظفين في الدولة المصرية في الآونة الأخيرة، إضافة إلى تعاظم الخسائر الفادحة التي تعرضت لها الشركة في الفترة الماضية والتي نجمت عن "تنبلة" القائمين عليها خلال السنوات الماضية.. وبسبب تقاعس المسئولين عليها سنوات وسنوات مضت ولم يوجه لهم أحد من النواب في المجالس السابقة أو الجهات المعنية بالمتابعة أية لائمة على ما وصلت إليه حال تلك الشركة وقريناتها والتي تحتاج أن نفتح ملفات تلك الشركات كلها بالمرة..

على أية حال لا ألوم الزميل على ان استجوابه جاء متأخرا سنوات كثيرة، وللمرة المائة أقول إن البقرة لن تستمر في الحليب دائمًا ما لم تجد الرعاية الكافية لها.. والمقصود بالبقرة الشركة والحكومة التابعة التي تشرف عليها، وقس موضوع "تنبلة" الموظفين على كافة الموظفين في المصالح الحكومية والمشروعات العامة.. "التنبلة" فيها فاقت الوصف.. لأن الوظيفة تأبيدة والموظف ضامن أنه "قاعد.. قاعد"..خسرت.. كسبت.. "غارت في ستين داهية هو ضامن راتبه الشهري" لأن الوظيفة مؤبدة على صاحب الدكان.

الموظف عندنا يقبل الأيادي من أجل أن يُعين في وظيفة، ثم بعد أن يُعين بضم الياء يبدأ في البحث عن الحوافز والبدلات والمرتبات والهروب بعيدًا عن العمل والهرولة نحو الإجازات وإجازات المرضي والاستئذان والانصراف ولطع مخاليق الله أمامه على الشباك؛ ليؤدي له خدمة خلال أيام وهي في حقيقة الأمر خدمة لا تأخذ من وقت "البيه" الموظف إلا دقائق لو كان موظفًا يعي أنه موظف ويتقاضي أجرًا عن خدمة الناس وأنه خدام وظيفته وليس سيدًا على خلق الله .. مثلما هو حال موظفي الحكومة والقطاع العام الآن، لأنه ضامن وظيفته وأنه "زي التأبيدة" في حق صاحب العمل وهي الحكومة.. "قصدي البقرة الحلوب" والتي لا يعلم أن ألبانها قد جفت مثلما جفت المياه من البحر في مياه الأربعينية.

خلاصة القول علينا أن ندرك أننا مشاركون بطريقة أو بأخرى أو أننا قد تسببنا بممارستنا في تلك الوظائف المؤبدة فيما اتجهت إليه الحكومة وهي أيضًا، أي الأخيرة، مدانة في ذلك بكل تأكيد حتى لو كان الأمر متعلقا بحكومات سابقة.

وعلينا أن ندرك أننا أمام عرض جديد ومؤكدة وليس له بديل وهو خصخصة كل الخدمات ولكن بمعايير موضوعية تراعي ظروف البلد والناس في كيفية التكيف مع الوضع الجديد، ليس مثلما حدث في تطبيق قانون ١١٩ بأثر رجعي.

علينا أن نتأقلم مع الوقت على نظام سوف يكون هادم لـ "التنبلة" وباعث على الهمة والنشاط بهدف البحث عن طوق نجاة جديد؛ لأننا باختصار شديد قادمون على زمن سيكون فيه من يعمل سيأكل ومن "سيتنبل ستتنبل به الحياة" ويصبح في حياة تعيسة لأن البقرة الحلوب جفت وماتت و"شبعت موت" مثلما يقولون، وعلينا أن نستيقظ ونفيق من زمن التراخي والأكل من "قته محلولة" مثلما يقولون في الريف.. ومن ثم فإن زمن مثل تلك الاستجوابات لن تخيل على الناس، و"خلينا دوغري شوية"، والناس لابد وأن نوضح لها بشفافية ماذا حدث لنا كناس وكمجتمع.. الوضع لم يعد كما كان، وعضو البرلمان دوره أصبح مختلفًا في عصر تموج به رياح التغيير من كل جانب، لم يعد دور النائب توفير خدمات شخصية للمواطن وشغل حمل حقيبة الطلبات.

علينا أن نتغير بما يتماشي مع المفهوم الجديد للعالم ونعي جيدًا أن الخدمات العامة هي التي ترتقي بالمجتمع ككل، وتحقيق العدالة في الوظيفة والرواتب بين كل فئات المجتمع صار مطلبًا عامًا وعادلًا بين كل الناس التي تحترم العدالة والمساواة. وعلي النواب أن يكون تحقيق العدالة والمساواة ورفض التمييز هو محور اهتمامهم، ولا يمكن أن يتقبل الناس مع الوقت أن مهندس البترول يختلف عن مهندس الكهرباء عن مهندس المحليات في الراتب.. هناك فجوة كبيرة وينبغي أن تزال في كل المناصب في كل المصالح.. إذا تحقق العدل نمنا جميعًا مرتاحي البال حاكمًا ومحكومًا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة