بنات أفكارى
"الفهلوة"، مصطلح يطلقه المصريون على الشخص الذى يزعم فهمه لكل شيء، رغم جهله بكل شيء ولكنه يتكبر عن البوح بغير ذلك، يبادر بالقيام بأفعال ونصائح أو إبداء آراء، فى الغالب ليست تخصه وينسبها لنفسه، يجمعها بطريقة ماكرة للحصول على شيء ليس من حقه، سواء كان مالًا أو عملًا أو منصبًا أو شهرة أو لفت النظر والانتباه.
الفهلوي المتمرس يصعب اكتشافه بسهولة، لأنه يخلط الباطل بالحق، والصح بالخطأ، فيُحدث ارتباكًا لمن يستمع له، ويضغط عليه حتى يميل لرأيه الزائف، فى الحقيقة ينكشف أمره بعد فترة من التعامل معه، ولكن بكل أسف بعد أن يتم الابتزاز لمن أعطى له اهتمام.
رغم الخدمات الكثيرة والرائعة التى قدمتها لنا التكنولوجيا الحديثة، ودخولها فى حياتنا لتسهيل واقعنا الصعب، وتقريب المسافات، إلا أن التعامل معها "بفهلوة" حولها لوحش يقودنا للقاع، بدلاً من أن يرفعنا للقمة.
مواقع التواصل الاجتماعى- خاصة "فيسبوك"- دخلت حياة المصريين مع أحداث صعبة، وهزة سياسية واجتماعية قوية، ثم تم استخدامها لتوجيه آراء وقناعات واتجاهات البعض، والذين أثروا على الآخرين، بما تم تلقيه من خلالها من معلومات وشحن عاطفى ونفسى.
بعد فترة كبيرة من الصمت المجتمعى عن ثلاثة موضوعات كان يطلق عليها "تابوه"، أى مرفوض اجتماعيًا الحديث عنها، وهى"السياسة والدين والجنس"، وجد المواطن المصرى -صغيراً وكبيراً- الفرصة فى الحديث بطلاقة فى كل الموضوعات بلا حدود، وكأنه عفريت خرج من القمقم، متخفيًا وراء جهاز الكمبيوتر، التصق الموبايل بيد كل طبقات الشعب بلا استثناء، ينقل كل ما يتم وضعه وطرحه عبر الصفحات معلومة ومجهولة المصدر، بفهلوة ناسبًا ما يكتبه وينشره لنفسه.. لمجرد نسخه من شخص آخر.. ليرضي رغبة السبق فى نشر الخبر أو التحليل أو النكتة قبل الآخرين، تحت شهوة جملة (عرفت اللى حصل)، تلك الجملة التى فتحت علينا أبواب الشائعات، والشتائم العلنية والصور خادشة الحياء، والتعرض للشخصيات سواء عامة أو خاصة وفضحهم، بكل الطرق سواء بالتنصت أو الكذب والافتراء، أو بالتدخل السافر فى حياتهم الشخصية.
تلك الحكايات والتابوهات والقصص المرعبة اجتماعيا، تصل إلى مستخدم الفيسبوك من خلال سلسلة متشابكة من المشاركات واللايكات والتعليقات، فتجذب انتباهه، يأخذها ليحكي حكايته ويدلى بدلوه برأي زائف مبني على مشاركات من قبله بالفهلوة المعهودة.
ولو انتظر وفكر قليلاً قبل استخدام فهلوته وتخفيه وراء شاشته، لعلم أن ما تم نشره بفهلوته أوقعه فى فخ لرسم إطار مجتمعي مرفوض، وتوظيفه فى فرض أخلاقيات شاذة، وإعطائها مساحة من الوقت والجهد والتفكير والتنظير، بهدف الابتعاد عن أهداف أسمى وأرقى تخص وطنه وبلده ومعيشته وواقعه الحقيقي الراقي المتمدن الإيجابي.
إنها نظرية إعلامية غربية، يستخدمها الإعلاميون مفادها بث مجموعة من الأخبار أو الشائعات أو نشر أمور وإخفاء باقي الحقيقة، والتركيز عليها بشكل مكثف لتتكون الصورة غير الأخلاقية، فتُظهر واقعًا غير حقيقي يتم تصديقه، وتدريجيًا تتركز الأفكار داخل هذا الإطار فإما تصبح عادية ومألوفة، أو يتخذها البعض نبراسًا له، ومن المحزن وقوع بعض الممارسين للمهنة فريسة لهذه الأطر الكاذبة، فيذيعون هذه الموضوعات الشاذة، بحجة أنها أصبحت مسار حديث الناس.. كفانا "فهلوة"، مازلنا شعبًا طيبًا وعاقلًا.
لا تسمحوا لأحد باستخدامنا لتشويه أنفسنا "بفهلوة" تكنولوجية خبيثة مخططة لهدم حياتنا وقيمنا.