الكلم الطيب
المسلمون الأوائل ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والانتصار لكلمة الحق والاستجابة لنداء الإيمان بالله ورسوله حين بزغ فجر الإسلام علي يد سيد الخلق محمد بن عبدالله صلي الله عليه وسلم فها هو النعمان بن مقرن أحد هؤلاء الرجال وكان يكني أبا عمرو وقيل أبوحكيم وهو الذي يحمل لواء بني مزينة خلال يوم فتح مكة وتقول كتب السيرة والتراجم ان النعمان بن مقرن هاجر من مكة المكرمة إلي المدينة المنورة ومعه سبعة من اخوته هم سويد ومعاوية ونعيم وعقيل وعمرو ومعقل وكلهم كانوا له صحبة وهجرة وفضلا ومما يضفي علي مسيرة هذا الصحابي الكثير من البهاء والصفاء انه كان يقول محدثا عن نفسه بعد ان من الله عليه بنعمة الإسلام انه قدم علي رسول الله صلي الله عليه وسلم في أربعمائة راكب من بني مزينة وتمضي كتب السيرة والتراجم تتابع تحركات هذا الصحابي الجليل وتشير حركة التاريخ إلي أن النعمان سكن البصرة وتحول عنها إلي الكوفة في العراق.
هذا الصحابي الجليل كان محل نظر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله خاصة حين أراد فتح القادسية فكتب لأهل الكوفة والبصرة لاستعملن عليهم رجلا يكون أهلا لها وتصادف حين خروج أمير المؤمنين من المسجد في ذلك الوقت فرأي النعمان بن مقرن يصلي وبعد أن انتهي من الصلاة اصدر إليه عمر رضي الله عنه أمرا بالسير وقيادة الجيش في قتال الفرس وقد تضمن هذا الأمر أيضا قول أمير المؤمنين إذا قتل النعمان فحذيفة وان قتل حذيفة فجرير وفي تلك الأثناء خرج النعمان ومعه حذيفة والمغيرة بن شعب والأشعب بن قيس وعبدالله ابن عمر.
هؤلاء الرجال من جيش المسلمين توجهوا إلي نهاوند وعند وصولهم إليها تحدث إليهم النعمان بن مقرن قائلا: يا معشر المسلمين شهدت رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار وآخر القتال مع خصوم الإسلام حتي نزول الشمس عن كبد السماء ثم أخذ يقول بكل نفس راضية: اللهم أرزق النعمان الشهادة بنصر المسلمين وافتح عليهم ثم اضاف: إذا هززت اللواء الذي أحمله ثلاثا فأحملوا مع الثالثة لقتال الأعداء وان قتلت فلا يلتفت أحد إلي أحد ولا يعطف عليه وحين هز النعمان الثالثة للواء حمل المسلمون معه والتحموا مع بعضهم يقاتلون في سبيل الله وقد شاءت إرادة الله أن يسقط النعمان بن مقرن شهيدا وتنفيذا لأوامر أمير المؤمنين أخذ الراية من بعده حذيفة وهنا أفاد الله علي المسلمين بالنصر ويشير تاريخ هذه المعارك إلي أن تلك المعركة التي كان يطلق عليها معركة نهاوند قد وقعت في سنة احدي وعشرين من الهجرة النبوية.
ومن المصادفات أيضا ان النعمان بن مقرن كان استشهاده في يوم جمعة وحين وصل خبر استشهاده لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فخرج علي الناس وتحدث إليهم ناعيا هذا البطل الشهيد أثناء وقوفه المنبر فقد وضع يده علي رأسه وأخذ يبكي حزنا علي هذا البطل قوي الإيمان والعزيمة وفي هذا المقام يقول ابن مسعود: ان للإيمان بيوتا وللنفاق بيوتا وان من بيوت الإيمان بيت بن مقرن. تلك هي مسيرة رجل من أصحاب رسول الله صلي عليه وسلم استقر نور في قلبه وامتلك كل وجدانه ولسان حاله يفيض بقوله:
ولست أبا لي حين أقتل مسلما
علي أي شق كان في الله مصرعي
بطولات نادرة وقتال في سبيل الله من أجل إعلاء راية الإسلام خفاقة في كل انحاء الدنيا هؤلاء الرجال هم قدوة طيبة وأسوة حسنة وصدق الله العظيم إذ يقول "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" الآية 23 سورة الأحزاب.
ليتنا في هذه الأيام نستلهم هذه الروح الطيبة في حياتنا ولله الأمر من قبل ومن بعد. هدانا الله جميعا إلي الطريق المستقيم.