رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بنات أفكارى

كانت فى منتصف الخمسينات من عمرها، وفى أول يوم دراسة قالت لنا: "أعلم أن هذا المقرر، صعب طالما تعاملتم معه بمبدأ الحفظ وستنفرون منه، ولكن إذا تنبهتم له بالفهم سيصبح مادتكم المفضلة".

إنها الأستاذة فاطمة مُدرسة الدراسات الاجتماعية فى الشهادة الإعدادية فى مدرستى، مازلت أتذكر ملامحها الراقية، بتجاعيد وجهها الجميلة، اللائقة على وقارها، حمرة وجنتيها عندما كانت تضحك وتندمج فى الشرح لإيصال المعلومة وتثبيتها فى عقولنا دون صمها بلا فهم.

الصعوبة فى مادة الجغرافيا بالنسبة لنا كانت فى رسم الخرائط، وهى الأساس الذى يُبنى عليه باقى المنهج، قررت تعليمنا فن رسم الخرائط، طلبت إحضار كراسة 9 أسطر، وألوان خشب، وبدأت بخريطة مصر وخاصة نهر النيل، وفى كل حصة ترسم لنا ما بين كل سطرين خطا بشكل معين، وبعد انتهاء رسم الخريطة كلها، انتقلت معنا إلى مرحلة أصعب وهى رسم الخريطة كاملة فى ورقه بيضاء دون أسطر بالقلم الرصاص، ووضع العلامات المطلوبة، فرسمناها بمنتهى الدقة وعيوننا مغلقة، كأمهر رسامين فى علم الخرائط، بسهولة وبلا تعقيد، وأصبح رسم وقراءة الخرائط سلسة ومتيسرة لنا، وكان ذلك مفتاحا لحل كل ألغاز دروس الجغرافيا.

أما الصعوبة الثانية فى مادة التاريخ، فتكمن فى حفظ الأحداث المتسارعة بالتواريخ المتقاربة، فألزمتنا بإحضار كشكول 100 ورقة، مع أقلام بالألوان الأربعة (أزرق، أسود، أحمر، أخضر)، وراحت تملى علينا ملخصاً نكتبه فى الكشكول بتستخدام الأقلام الملونة، بشكل يبرز العناوين بلون، والتواريخ بلون آخر، والمعارك بلون ثالث، وهكذا.

لم نحتج وقتها للجوء لدرس خصوصى، أو ملازم للمراجعة، وكانت نتائجنا مبهرة، وكسرنا حاجز القلق وأحببنا مناخ وموقع وأرض وتاريخ بلدنا.

أما الأستاذة مارسيل مُدرسة الفلسفة والمنطق فى الثانوية العامة بمدرستى، فكانت فى أواخر الثلاثينات من عمرها تقريباً، رقيقة وهادئة الطبع، جميلة الهندام، كنا نشعر فى وجودها بالأُلفة والمحبة وكأنها أخت كبرى لنا، كانت تعلم أن المادة جديدة علينا، ودراستها عويصة، وتحتاج استيعاباً جيداً، فكان اللقاء الأول فى حصة الفلسفة، ونحن متوجسون من فك طلاسم هذه المادة المعقدة كما وصفها لنا زملاؤنا السابقين، بدأت بشرح سبب دراستنا للمنطق وأهميته فى حياتنا، وتطرقت لمعنى الفلسفة والفلاسفة وأفكارهم التى نعيش بها حتى الآن، بأسلوب الحكاية الجذاب المثير للرغبة والنهم فى الاستزادة من معرفة الفلسفة بالمنطق.

كان لها أسلوب مبتكر وجديد فى إعدادنا للاستذكار، كانت تلخص لنا كل فقرة وتطالبنا بكتابتها على هامش الكتاب، بالقلم الرصاص، فإذا أردنا إضافة أى شئ نستطيع الكتابة أو المحو بسهولة، فكانت هذه الهوامش هى الملخصات التى تقدم لنا المعلومة الواضحة بلا تفاصيل وحشو مرهق ومحير، وكانت أيضاً نتائجنا رائعة، بل خرجنا من هذه السنة ونحن نفكر بالمنطق، ونتفلسف فى قرارتنا.

لم تجمعنى الأيام بعد ذلك بالأستاذة فاطمة والأستاذة مارسيل، المثال الرائع لنسيج مصر المحروسة، وأهلها الطيبين، والمرأة العاملة الناجحة المتميزة، التى تسعى للاجتهاد فى عملها مهما كان مجالها.

لم أنسهما قط، كان العمل بضمير منهاجاً لهما، والتربية والتدريب على الاستذكار غايتهما لنا، لم تبخلا يوماً بعلم أو معرفة، لم تبخلا علينا فى أى معلومة، استطاعتا الوصول لقلوبنا، وتذكرهما وارجاع الفضل لأصحابه، والدعاء لهما بكل الخير.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة