"تلك الأيام نداولها بين الناس"، جملة حقيقية تؤكدها أحداث عديدة في رحلة العمر، نقضي خلالها فترات صعبة تكون في ذات الوقت فترات يسيرة للغير. تتقلب بعدها الأيام والظروف، وتجد عسيرك أصبح يسيرًا، ويسير غيرك أصبح عسيرًا. مَن منا لم يعان عسرًا، وأصابه ابتلاء عصيب، سواء كان ماديًا، معنويًا، أو صحيًا!
"ثبات الحال من المحال"، تلك حقيقة أخرى تثبت الحقيقة الأولى، وتؤكد عليها، فلا المريض يظل مريضًا، ولا البائس يبقى بائسًا، ولا الظالم يظل في موقع استبداده.
حقيقتان الإيمان بهما، يولد داخل النفس الأمل بأن الغد فيه جديد مختلف، أمل يخلق في الإرادة قدرة على التحمل والصبر. خلال هذا العسر نكون في أشد الاحتياج لسماع تلك الحقيقتين والتشبث بهما، لتمضي الأيام الثقال خفيفة، حتى يحين وقت الفرج والتحول، ويأتي فرح وقت اليسر.
وتخيلت: أن العسر واليسر كوجهي العملة، ناحية الكتابة، والوجه الآخر صورة. ناحية الكتابة يكتب عليها ما قُدر لك، سواء كان عسرًا أم يسرًا. وجه الصورة هي صورتك تلك الفترة، صورة تمثل ما كنت عليه طوال فترة قدرك. صورتك وأنت صابرًا محتسبًا آلامك ووجعك، حامدًا شاكرًا الله على اختباراته، صورتك وأنت فرح سعيد ممتنًا لعطاء الله وكرمه وفضله العظيم.
في كلتا الحالتين، العملة مكسب، تربحه عند احتساب الأجر من الله ثمنًا للصبر والتحمل، وعوضًا من الله لك خيرًا مما فاتك، وهي مكسب لك وقت يسرك، جزاء امتنانك لله واعترافًا بفضله وشكره.
كثيرة هي احباطات الحياة، والضغوطات التي يلمسها الإنسان كل يوم، والاستغراق في التفكير بها، يُغلق أبواب الروح، ويسد نوافذ الإرادة، فلا مخرج وقتها سوى المزيد من الاكتئاب والإحباط، والتقاعس عن العمل وعدم الرغبة في التواصل والاستمرار.
حقيقة ثالثة تضاف لما سبق هي "كل مُر سيمر". أما الحقيقة التي تجمع كل الحقائق السابقة، أن الله سبحانه وتعالى بدأ كل شيء بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قبل الحديث عن العدل، قبل الحديث عن القصاص، قبل الحديث عن الخلق وكيف سواهم، رحمة الله الرحمن الرحيم تسبق كل الوجود، واليقين بتلك الحقيقة، يفتح كل الأبواب والنوافذ المغلقة، يشحذ الهمة والروح بيقين رحمة الله، وهي الترياق من كل هم وغم وحزن وعسر وابتلاء.
حفظكم الله منهم جميعا، واستودعكم الله الرحمن الرحيم.