كشف موقع "جلوبال فاير باور" المتخصص في الشئون العسكرية في تقريره السنوي 2021 الخاص بجيوش العالم عن احتلال مصر المركز التاسع ضمن اكبر واقوى 10 جيوش على مستوى العالم ، وخلال سنوات نجحت مصر في رفع قدرتها العسكرية من المركز الثالث عشر الى التاسع بما يدل على حجم التطور غير المسبوق التي تحظي به كافة افرع القوات المسلحة وهو ما نتابعه يوميا سواء من التحديثات المستمرة او صفقات السلاح المعلن عنها او من ناحية التدريبات ورفع كفاءة المعدات والافراد والتعاون التقنى والعسكرى مع كبرى جيوش العالم.
هذه القوة ربما تجعل البعض يتساءل .. لماذا اذن هذا الصمت والسكوت على تطاول بعض الصغار على مصر ،واذا لم نستخدم تلك القوة ضد هؤلاء فمتى وأين نستخدمها؟!، ..هنا يجب ان نعود الى التصريح الذى اكد فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي ، على ان جيش مصر هو من اقوى جيوش العالم ولكنه جيش رشيد.. يحمي ولا يهدد ، بمعنى أوضح ان امتلاكك للقوة المفرطة لا يعنى بالضرورة استخدامك لها في كل الظروف والاوقات ، والامر يرتبط بحساسية كل موقف وظروفه وتعقيداته الإقليمية والدولية.
وربما يكون النموذج الاثيوبي هو من اكثر ما يطرح فيه مسألة استخدام القوة العسكرية لردع هذا النظام وتأمين المصدر الوحيد لمياه النيل.. خاصة لو ادركنا ان ترتيب هذا البلد عسكريا يأتي بعد مصر بأكثر من 50 دولة حيث تحتل اديس ابابا المرتبة الستين.
وفي حقيقة الامر فان اثيوبيا دولة لا تنقصها الازمات فهى تعانى من الحرب الاهلية والنزاعات القبلية والعرقية والاثنية.. وللحق فأن المشكلة الداخلية هناك غاية في التعقيد، ولا يوجد لها حلول سابقة التجهيز، لدرجة ان الخبراء والمتخصصين توصلوا في تحليلاتهم الي ضرورة تخطي الدولة مرحلة الفيدرالية الحالية الي تطبيق فكرة الانفصال بين الأقاليم، بمعني آخر تقسيم اثيوبيا الي عدة دول... وهذا الامر هو تماما ما تخشاه مصر ، لان التفتيت يعنى تشتت المصالح وتعدد المستفيدين ، وربما تصل الأمور الي التدويل .. وهذه النتيجة قد تكون مشابهة لما يمكن ان تتعرض له اثيوبيا في حال توجيه ضربة عسكرية .. في كثير من الازمات يظل بقاء طرف واحد للتفاوض معه مهما بلغ درجة تعنته افضل بكثير من التفاوض مع اطراف عده تتصارع فيما بينها.
إثيوبيا هي خليط من الأجناس والعرقيات المختلفة، وكانت قديما تسمى الحبشة عند العرب، ثم أطلق عليها حديثا إثيوبيا وتعني الوجه الأسمر عند الإغريق، وتعد موطنا لأكثر من 80 جماعة إثنية وعرقية مختلفة في اللغة والدين والعادات.
والنظام الإثيوبي يعيش حالة من الهشاشة غير المسبوقة نظرا لأن القبلية والمحاصصة الإثنية هى التي تحكم البلاد، وهناك تاريخ طويل الازمات السياسية التي تراكمت عبر العقود الماضية هي ما أدت الي المشهد الحالي ، وأحد أسباب الازمة الحالية تكمن في نظام توزيع المناصب السياسية في الحكومة الاثيوبية التي تعتمد علي الموازنات والمحاصصات القبلية، ومنها الأورومو والتيجراي والأمهرية، فضلا عن وجود امتداد من بعض تلك القبائل في جنوب السودان. ورئيس الوزراء الاثيوبي آبي احمد، مازال يصر على استغلال الازمة لعرقلة أي مفاوضات سواء تلك المتعلقة بسد النهضة أو الخاصة بالصراع الداخلي، ويطمح الرجل ان يخرج فائزا منها ليملي شروطه علي الجميع.. واعتقد ان هذا الوهم لن يطول نظرا لتعقيدات خريطة التحالفات والمصالح الإقليمية والدولية في تلك المنطقة من العالم.
الموقف المصرى محسوم وتم الإعلان عنه اكثر من مرة فهى لا تسعى لوقف الرخاء والتنمية للإثيوبيين، بل كل ما تطالب به هو عدم تقليل حصتها من المياه. كما أعلنت خلال المفاوضات أنها ستتقبل نقص حصتها من المياه لحين بناء السد طالما أن مياه الفيضانات كافية، ولكنها كانت تشترط فقط وقف التخزين والملء خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد، ورغم التعنت الاثيوبي ، فان القاهرة ستظل حريصة على استمرار التفاوض واستبعاد الحلول العسكرية طالما بقيت الامال مطروحة في التوصل الى حلول مرضية لا تضر بطرف على حساب الاخر ، وما يحكم الموقف المصرى في التزامها هو عدم رغبتها في التسبب سقوط او اسقاط نظام حكم ربما يعد افضل الأسوأ بين الخيارات المتاحة، وهذا هو لب اى موقف تفاوضى.
-------------------
أستاذ بجامعة حلوان