رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

خلال عقد التسعينات من القرن الماضى ضربت الصعيد موجة من الإرهاب كانت أشدها فى المنيا، لعدة عوامل على رأسها وجود كوادر من جيل السبعينات الذى ظل على تشدد أفكاره المتطرفة إلى جانب خروج بعض المحبوسين فى قضية الجهاد بالإضافة إلى زراعات القصب التى استغلها هؤلاء المتطرفون، خاصة فى مراكز المحافظة الجنوبية أبوقرقاص وملوى وديرمواس، وكانت الاعتداءات شبه يومية، وسقط المئات من الأبرياء من رجال الشرطة والأقباط ضحايا لهذه الاعتداءات، ورغم الجهود الأمنية التي بُذلت خلال تلك الفترة إلا أن موجة الارهاب كانت عاتية حتى تولى زمام الأمور اللواء مصطفى عبدالقادر رحمه الله، وكان رجل أمن من طراز رفيع، حيث بدأت هذه الموجات فى الانحصار واصبح هناك شعور بحالة من الأمن لدى المواطن المنياوى، تم تخفيض ساعات حظر التجوال التى ظلت سائده لسنوات وقام المحافظ بزيارة مراكز الجنوب ليشعر المواطنون هناك بالطمأنينة.

وفى أحد ايام عام 1998 تم إبلاغ عدد قليل من الصحفيين بزيارة الكاتب وحيد حامد رحمه الله إلى المنيا مساء ذلك اليوم.. هذا الكاتب الجريء هو العدو الأول لجماعات التطرف والفكر الظلامى..

جاء وحيد حامد الى المنيا ليعلن مساندته لأبناء المنيا فى مواجهة الارهاب واستقبلته المنيا واهلها بحفاوة كبيرة وبعد ان التقى المحافظ كان هناك حفل عشاء على شرف الكاتب الكبير بأحد فنادق المنيا المطلة على النيل ونزل حامد بصحبة المحافظ عبدالقادر ومجموعة محدودة من قيادات المحافظة وعدد من الإعلاميين لا يتعدى أصابع اليد الواحدة وكان أغلبهم من الطاقم الإعلامى التابع للمحافظة، وكانت المفاجأة حينما نزل الضيف بصحبة المحافظ ورفض ان يركب السيارة حتى الفندق، وقال أريد أن استمتع بمنظر الكورنيش الرائع، لكن الرسالة التي بعث بها هى رسالة الطمأنينة لأبناء المنيا، وقام بقطع المسافة التي تقترب من الكيلو مترين سيرًا على الأقدام ونحن من حوله وفى طريقه كان يسلم على الناس كضيف كبير بصحبة المحافظ حتى وصلنا الى الفندق بعد نصف ساعة من السير على الأقدام وبعد تناول العشاء كانت هناك جلسة ودية استمتع فيها الحضور بحديث الكاتب الكبير لكنه طلب من الحضور عدم نشر تفاصيل هذا اللقاء إعلاميًا والتي كانت قاصرة على الصحف القومية والحزبية والاذاعة والتليفزيون، واقتصرت أخبار الزيارة على خبر كلاسيكي، وهو استقبال المحافظ للكاتب وحيد حامد فى مكتبه، لكن الزيارة الحقيقية كانت فى الكواليس التى لم تنشر وحديث الأستاذ الخاص فى الفندق والذى استمر لساعات وصلت الى منتصف الليل استمتع فيها الحضور بحديث الكاتب الكبير والمفكر المستنير والمثقف القدير، حيث تطرق الى مشاكل الفقر والعشوائيات فى صعيد مصر بشكل عام والمنيا بشكل خاص وطالب بأن يأخذ الصعيد حقه من التنمية فى ذلك الوقت مع مواجهة حاسمة لظاهرة العشوائيات والتى وصفها بأنها بيئة حاضنة للفكر المتطرف ومفرخة للإرهاب وهى مع الفساد تمثل اكبر خطر على مصر.

وقال حامد فى تلك الأمسية أنا واحد من المصريين البسطاء أشعر بنبضهم أتعاطف مع قضاياهم وأدافع عن مصالحهم مهما كلفني الأمر لأن هؤلاء البسطاء يستحقون حياة أفضل وهم سر قوتى فى مواجهة المشاكل حقًا، لقد كان هذا الرجل مهمومًا بمصر وناسها الطيبين.

وفى تلك الليلة تحدث وحيد حامد عن الجماعات المتطرفة ووصفها بالجماعات الظلامية وأنها جماعات هشة فكريا ومهمشة ثقافيًا؛ لذا فهي جماعات ترفض الحوار وتحاول أن تفرض رأيها بالقوة على الشعب المصرى عن طريق تطبيق الحدود على الناس فى بعض الأماكن فى الصعيد فهم لا يحترمون القانون ولايعترفون بالأنظمة السياسية، والديمقراطية بالنسبة لهم كفر، والفن عندهم حرام ورجس من عمل الشيطان.

ثم تحدث عن واقعة حدثت معه بعد عرض فيلم الإرهاب والكباب والذى كشف فيه الغطاء عن سلوكيات هذه الجماعات المتأسلمة مما أثار حفيظة هذه الجماعات وقررت رفع قضية حسبة تكفل بها احد ابرز مشايخهم فى ذلك الوقت والمعروف بعدائه الشديد للفن والفنانين، وبالفعل حصل على حكم ضدي وأثناء الحديث عن تلك الواقعة بدأت ملامح وجهه تتغير وتحولت نبرة صوته الى نبرة حزينة، قائلا: إن مثل هذه تقتل الابداع وتجعل الفن والثقافة رهينة للرجعية وتصادر حرية التعبير وتمثل سيفًا متسلطًا على رقاب كل مثقف ومبدع وسرعان ما تغيرت نبرة صوته وانفرجت أساريره حينما تدخل أحد الحضور فى الحديث قائلا وانتهت على ايه القضيه فابتسم وقال استخدمت أسلوبهم فى الرد بان الغاية تبرر الوسيلة بعد أن أعلمنى المحامى المسئول عن القضية بأن موقفى ضعيف وأن الحكم الذى سيصدر اليوم هو حكم نهائى واجب التنفيذ إما البراءة أو الحبس ولاننى اعلم سيكولوجية هذه الجماعات فقد استجمعت قواى وفى لحظة نظرت اليه وهو يداعب لحيته المتدلية حتى صدره وقمت باثارته باحدى العبارات فما كان من هذا الشيخ الذى يجلس فى هدوء ووقار داخل قاعة المحكمة إلا أنه هاج وماج وأخذ يسب ويلعن ووصل إلى حالة هيستيرية قائلا ياكافر يافاسق ياعدو الله وهنا اتجهت إلى المنصة طالبًا حماية هيئة المحكمة من هذا الوحش الكاسر وجماعته فما كان من القاضى إلا أن يحكم برفض دعوة الحسبة وإلزام الشيخ بأتعاب المحاماه.

وهكذا استخدم وحيد حامد ذكاء المفكر وخيال المبدع فى مواجهة خفافيش الظلام.

اننى أتذكر هذا اللقاء الذى مر عليه قرابة الثلاث وعشرون عامًا وأعتبر نفسى من المحظوظين الذين جلسوا فى حضرته واستمتعوا بحديثه الشيق، رحمك الله يا استاذ وحيد بقدر ما امتعتنا واسعدتنا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة