بنات أفكارى
تتباهى بقوتها، وقدرتها على تكوين بيت عائلى كبير، بكل متطلباته، تغريه بنعومة أدواتها، الحريرية وقوة شوكتها، وصرامة سلطانها، ومجهودها الجبار لاستقطابه لتحقيق مصلحتها، ورغبتها فى الإنجاب، تفعل ما فى وسعها لتحقيق هدفها للإيقاع بزوج المستقبل وأبو الصغار، بنشاط وقسوة، وبرغم عيوبها انجذب إليها، وتقرب منها، يعلم أنها متسلطة وعدوانية، ولكن تلاقت المصالح الفردية، فتقرب منها ليطفىء نار اشتياقه لأنثى، وبرغم أنه ضعيف البنية وصغير أمامها، ولا يستطيع حمايتها، سيتزوج دون أن يتكلف شيئا أبداً، سوى التدلل والتذلل إليها، ليقلل من عنفها المعروف، فهى التى تبنى البيت الفخم، وتنسجه بنفسها، وبعد ابتلاعه للطعم واتمام الزواج، قتلته فى ليلة الزفاف!
إنها "الأرملة السوداء"، أنثى العنكبوت من النوع السام التى تتميز بلونها الأسود، التى تفترس الذكر بعد تلقيحها، هناك أنواع أخرى من إناث العنكبوت تترك الذكر على قيد الحياة بعد التلقيح، ثم تلتهمه بعد إنجاب الصغار، وهناك نوع ثالث تأكل صغارها، ونوع رابع يأكل الصغار أباهم وأمهم بعد أن يشتد عودهم!
أثار حماسى للتعرف على صفات أنثى العنكبوت "بوستر" الفنانة مى عز الدين لمسلسها الجديد "خيط حرير"، حيث ظهرت فيه بفستان أحمر كله أنوثة بيدها خيوط عنكبوت مغزوله وتنظر بتحدٍ وتحفز.
توقعت أن الخيط الحرير هو إشارة لشبكة العنكبوت التى تنسجها الأنثى بنفسها، حيث تمتلك مادة حريرية لاصقة تنسج منها البيت بشكل يبدو متناسقا، ومنظما، وكبيرا، لتجعله شركا للايقاع بفريستها الذكر، هى الأنشط فى الاقتناص، تحيط به وتتخلص منه بعد انتهاء المصلحة.
يدور المسلسل فى أحداث تشويقية محبوكة، حول صراع بين سيدتين، الأولى أم متسلطة على زوجها وأولادها، تحكمت فى حياتهم لمصلحتها فخربتها، أما السيدة الأخرى هى إحدى ضحاياها التى استطاعت الفكاك منها بعد أذيتها، واستعادت قوتها لتحاول نسج نفس خيوط التآمر لمهاجمة السيدة المتسلطة..
جاء العنوان موفقا جداً لعرض الفكرة، فضلاً عن الأداء المميز لجميع الممثلين.. خاصةً انه دور جديد ورائع لمى عز الدين، وأداء جبار لسوسن بدر، واكتشاف جديد لمحمود عبد المغنى، وشقاوة هنا مهنى المعهودة.
استطاع المؤلف محمد سليمان عبد المالك، توصيل أسلوب حياة حشرة يتبناها بعض الشخصيات الشريرة فى حياتنا، بيت العنكبوت المبنى من خيوط حريرية مغرية لكنه مكشوف ومتباعد لا يحميه من الأعداء، فيجف ويتمزق.. فكان الإعجاز الإلهى أن يخلق الله أضعف البيوت من أقوى الخيوط: "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" (41- العنكبوت).
والضعف هنا ليس ماديا ولكنه معنوياً، بيت ينهار أسرياً، يمكر كل أفراده لبعضهم البعض، كله رعب وقتل، علاقات أسرية هشة مبنية على المصالح المؤقتة، وكأن هذا الخيط الحريرى القوى شكلا لا يبنى بيتاً قوياً، يتحول لمصيدة للأعداء والأحباب.
المسلسل خير مثال لهذا المضمون.. المشاهد رغم تصويرها فى قصور وشركات فاخرة لكنها قاتمة وتقبض النفس، كل شخصية درامية تسعى مسعى أنثى العنكبوت، تتبنى مبدأ الأنانية والمصلحة الشخصية مهما كلفها الأمر من تدمير لمن حولها وأقرب الناس إليها، بل يصل الأمر لتدمير نفسها فى سبيل تحقيق علاقة اجتماعية مشوهه ونرجسية.
وأخيراً تميز تتر المسلسل بكلماته المعبره عن حالة حب الذات المدمر بكلمات واضحة:
وأنا زى خيط ناعم حرير عارف طريقه منين..يقدر يكون رابطك سعادة ويقسمك نُصين..
وعنيه لا تقدر تملكه ولا حتى توعىَ عليه.. آخرك يادوب تتمنى لو تلمحوا بالعين.