بنات أفكارى
هاجمنا فيروس كورونا من بلاد بعيدة، تطاير وانتشر بسرعة رهيبة، لا يرى بالعين المجردة، ولكن بملئ ملعقة شاى صغيرة استطاع أن يحصد الأرواح وإصابة الملايين من سكان العالم، بلا ذنب أو جُرم غير أنهم تبادلوا العدوى عبر تناثر الرزاز من الفم والأنف.
عكف العلماء قرابة العام على البحث عن دواء أو لقاح فعال لوقف انتشاره أو العلاج منه دون جدوى، وبرغم الأخبار التى نطالعها بين الحين والآخر من كبار الدول علمياً لتجارب سريرية كمحاولة للتوصل لبروتوكول علاجى ناجح ومضاد لهذا الوحش الشرس الخفى، ولكنها مازالت تحت البحث والتجربة.
وتظل الكمامة هى الحل الأسهل والأرخص والمتاح والوحيد أمامنا حتى الآن، للعودة للحياة الطبيعية مع الشعور بالأمان والتعامل مع الآخر دون الإصابة مع اتخاذ كافة الإجراءات الأخرى من عدم التقارب والنظافة الشخصية وغيرها من التدابير التى حفظناها وكررناها، لتصبح نمط حياة غريب وعجيب، بل مفروض وأساسى.
وإن كان البعض تنازل عن إرتداء الكمامة بدافع أنها متعبة أومكلفة أوليست مريحة أو تفسد مساحيق النساء التجميلية، فى حين برر البعض عدم ارتداء الكمامة بأنها تمنع الاتصال البشرى المباشر، خاصة أنها توضع على الأنف والفم وتغطى الذقن أيضاً وجانبى الوجه، فلا يظهر من ملامحنا غير العينين والحاجبين.
وبالتجربة الحياتية ثبت لى عدم صحة التبريرالأخير، فاعتبرت الكمامة نعمة كبيرة، ليس فقط بمميزاتها العلمية التى ذكرتها وطرحها لنا الأطباء منذ انتشار الجائحة، بل هى نعمة حقيقية للتواصل الإنسانى الصادق، فبرغم أنها تُعد قناعاً مادياً على الوجه، لكنها استطاعت أن تفقد قدرات الشخص فى استخدام الأقنعة المعنوية التى قد يرتديها، فنظرات الأعين ولمعتها وكلامها، تمنعه من التحول من قناع إلى أخر.
تيقنت من هذه النعمة فى أكثر من مره، آخرها عندما قابلت إحدى الصديقات، لم نلتقيا منذ عاماً، تحدثنا من خلال الكمامة، لم نخلعها، الكلمات كانت رقيقة ودبلوماسية وترحابيه فى البداية، ولكن كلام العيون كان أصدق وأدق تعبيراً، العيون التى شَعرت فيها بالحب الحقيقى، نظرات كلها موده واحترام وتقدير، ضحكاتنا كانت تصل إلى كلانا من خلال العينين، سمعت صوتها ليس بأذنى بل بقلبى، كل كلمة كانت تصنع معان أخرى حملتها عيوننا، لتحكى تفاصيل لم ينطق بها اللسان.
والتقيت بصديقتى الآخرى الحريصة على التباعد بمسافة متر تقريباً ، حاولنا تخفيف هذا التقييد المكانى والبعد والغياب الزمنى بإرسال إشارات للقبلات عبر الأثير ونحضن أنفسنا تعبيراً عن شوقنا للتعانق، وقلت ماذا فعلت بيننا هذه الكورونا جعلتنا نبتعد، جائتنى الإجابة منها من خلال دموع تذرف من عينيها الرقيقة، لم تتحكم فى مشاعرها المسجونة خلف الكمامة القاسية الواضحة فى نفس الوقت، هنا صمت اللسان وتحدثت العيون صدقاً بما يليق بالموقف، عبثاً حاولت إرسال إشارات للضحك والمزاح..ولكن بقى الأثر الرائع لأستيقن من حبها لى وقربى منها.
يالها من نعمة، لم نختارها بإرادتنا بل كانت الكمامة اختياراً إجبارياً للحفاظ على حياتنا وصحتنا وصحة من حولنا، نعمة من الله تحمينا وتقينا شر المرض، وتنور بصيرتنا وتثبت مصداقية المشاعر واتجاهات من حولنا نحونا بلا كلام، بل تكفى لحظات لتعرف عدوك من حبيبك، من وراء الكمامة التى تخفى تعبيرات الوجوه، بينما تفضح مكنونات القلب الخفية.