برقيات
في عالم الأدب والشعر قالوا أن العيون مرآة الروح, عن طريقها يمكننا فك طلاسم وخبايا النفس, لكن في عالم الفن تعد الدراما وبخاصة المسلسلات والأفلام هي مرآة المجتمعات, مهما تخفت تحت ستار أنظمة سياسية واقتصادية وعسكرية قويه, فما بالنا لو كان هذا المجتمع هو إسرائيل من الداخل, ومن قدمت لنا رؤية متكاملة عن حجم الصراع والتفكك بين فئات الشعب غير المتجانس هناك هي الكاتبة الصحفية الكبيرة هدي مكاوي, صاحبة مؤلفات العراق تحت الحصار, والبناء الاجتماعي للطريقة المهدية في السودان, وهو ضمن قائمة جوجل التي يوصي بقراءتها, جاء تحليلها موثق بالأدلة علي أن المجتمع الإسرائيلي يحمل في ذاته جينات تفككه وزواله.
رؤية نقديه لعملين دراميين إسرائيليين, وهما مسلسل حكم ذاتي AUTONOMIA ومسلسل ضد الأرثوذكسية UNORTHODOX، عرضا بواسطة "نت فليكس"، تناولا الصراع بين التيار الديني الأصولي المتشدد والذي مرت عليه الدراما المصرية سريعا في مشهد معبر جدا في المسلسل الرمضاني الشهير فرقة ناجي عطا الله الذي قام ببطولته الفنان الكبير عادل أمام الدبلوماسي المصري في سفارة إسرائيل وهو في أحد المطاعم ويطلب الجمبري بشكل سري حيث أن الجماعات الدينية المتشددة هناك تحرم اكل الجمبري وممكن تهد المطعم علي من فيه وهو ما كاد يحدث بالفعل ضمن أحداث المسلسل، لكن الأمر هنا وفق رؤية الكاتبة يتخطى المأكولات البحرية, والتناول الكوميدي، خاصة أن الدراما الإسرائيلية ظلت إلي وقت كبير تركز علي إظهار المجتمع الإسرائيلي في حالة مثاليه من التماسك ضد الفلسطيني المتوحش طبعا من وجهة نظرهم والتي تتفق مع مشروع تيودور هيرتزل الصهيوني الذي أقيمت علي أساسه دولة إسرائيل.
حين يتم تقديم مسلسلات تبرز الصراع علي الهوية ممثلة في أسرة علمانية مكونة من أب وأم وطفلة في سن الخامسة، يتضح فيما بعد أنها أبنة لأسرة متشددة دينيا لديها عدد كبير من الأبناء اعتقدت أن ابنتهم توفيت عند الميلاد ولكن بتحليل DNA تظهر الحقيقة باعتراف الممرضة, ليبدأ الصراع المرير بين الأسرتين ومحاولات خطفها واللجوء للقضاء الذي يحكم ببقاء الطفلة التي يرمز لها بدولة إسرائيل مع الأسرة العلمانية غير المتدينة حرصا علي مستقبلها من التيار الديني المتشدد كثير العدد المتماسك عكس التيار الأخر الذي يريد الحكم المدني لا الديني.
الجديد هنا كشف حالة الانفصام لمجتمع يعيش في الظاهر متمسك بالطقوس والعادات والتقاليد اليهودية بينما في الخفاء يضربون بكل ذلك عرض الحائط , تدعم الكاتبة رؤيتها بعدد من الكتب الهامه في هذا الشأن مثل كتاب ما بعد إسرائيل لأحمد المسلماني والذي يتوقع زوال دولة إسرائيل في مرحلة ما بعد الصهيونية.
الحقيقة أن إسرائيل ذلك الجسد المزروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو يحتفل الأن بالهرولة العربية نحو التطبيع يعلم جيدًا أنه نسيج غير متجانس و متصارع بل أن الجوانب الاجتماعية هي أكبر مشاكله ولهذا كان من أولويات التطبيع مع السودان الذي تم مؤخرا هو عودة يهود الفلاشا المهاجريين غير الشرعيين من أثيوبيا إلي السودان وهم أكثر الفئات إزعاجا للمجتمع الإسرائيلي العنصري المتعجرف.
الانقسامات الداخلية والتي تضمنتها الكثير من الإحصاءات والأبحاث باتت تخرج في صورة أعمال دراميه ليس فقط بسبب تعدد الأقليات لكن للتميز الكبير بينهم في الحقوق والواجبات فهناك نحو 1,2 مليون عرب مسلمون معظمهم سنة يقيمون في الشمال ونحو ربع مليون من العرب البدو ينقسمون إلي 30 عشيرة يقيمون في الجنوب وهناك عرب مسيحيون نحو نصف مليون من طوائف الروم الكاثوليك والأرثوذكس ولاتين، إضافة للدروز وهم يشكلون مجتمعا منفصلا ثقافيا واجتماعيا ودينيا ويقيمون في الشمال, هناك أيضا الشركس, ناهيكم عن اليهود الغربيين من الاشكناز واليهود الشرقيين السفارديم والصراع بينهم منذ تأسيس دولة إسرائيل، ولعل مقتل شاب من أصل أثيوبي العام الماضي علي يد شرطي من اليهود الغربيين كاد أن يعصف بأمن دولة إسرائيل.
هناك أيضا متدينون من الحريديم والعلمانيون، و اليهود الروس ويهود الفلاشا القادمون من أثيوبيا وهم المهمشون اجتماعيًا ودينيًا ويعملون الأعمال المتدنية, ويهود مزراحي القادمون من العراق وايران واليمن، ولا ننسي الصراع السياسي بين أحزاب اليسار واليمين والوسط واليمين المتطرف , والفقراء والأغنياء واتساع الهوة بينهم، وسيطرة اليمين الإسرائيلي علي الحياة السياسية.
من هنا يتبارى الباحثين وكبار الكتاب في التنبؤ بزوال دولة إسرائيل، أتفق أو اختلف مع تلك الرؤية لكن مؤكد أن ثمة واقع جديد يتم الأن فرضه علي أرض الواقع.