رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام


يبدو ان العرب والمسلمين مصابون بنوع خاص من العقم الفني والحول الدرامي والغيبوبة السينمائية مما ساهم في بناء اسوار من العزلة بينهم وبين قضاياهم الحيوية والمصيرية فلم يفلحوا في تقديمها وعرضها والدفاع عنها باستخدام التقنيات الحديثة والمعاصرة وتركوا ابناءهم جيلا وراء جيل نهبا للموجات الفنية المتعاقبة والمتسارعة التي برع فيها الاخرون..حيث ابدعوا في استخدام الفن وتوظيفه لخدمة ما يريدون بالحق حينا وبالباطل كثيرا فطرحوا كل القضايا أيا كانت حتى ولو كانت مزيفة او مغلوطة او متهافتة ونجحوا ايما نجاح في اختراق كل الحواجز والحجب الشرعية وغير الشرعية للوصول الى الجماهير المستهدفة والعبث بعقول المشاهدين والمتفرجين في كل مكان على وجه الكرة الارضية.

يحدث هذا كل يوم تقريبا ولم يتحرك أحد مع كل ضربة فنية من هنا وهناك مهما كانت ومهما بلغت شدة ايلامها نفسيا وروحيا وجسديا. الغريب ان العرب في الاساس امة بلاغة وفن وصاحبة ذائقة فنية بصرية وتعبيرية عالية وشواهد التاريخ تؤكد ذلك خاصة ايام ان كان لنا حضارة ملء السمع والبصر ويحسب للمسلمين ألف حساب.

حتى جاءت عصور الانحطاط وحدثت القطيعة المفزعة والمستغربة مع كثير من الفنون بعد ان غرق الكثيرون في لعبة الحلال والحرام للفن وتاجر بها من تاجر واستغلها ووظفها المتربصون والراغبون والساعون الى احداث القطيعة واستمرارها سواء من اعداء الداخل والخارج حتى حدثت القطيعة مع أنفسهم!

والغريب ان تحدث تلك القطيعة والنفور الشديد والمعاداة القاسية للفن في الوقت الذي نبههم الرسول صلى الله عليه وسلم الى اهمية وخطورة تاثير سلاح الفن على الاعداء وانه اشد من الاسلحة الحربية فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم نفس السلاح الذي كان المشركون يستعملونه ويرى أن فن الشعر أشد عليهم من القتل بالسلاح روت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان ابن ثابت: اهج قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل". فكان صلى الله عليه وسلم يحرض الشعراء على استعمال فن العصر الشعر وتوظفيه في الدفاع عن الإسلام بل يصرح بأن رئيس الملائكة جبريل عليه السلام يؤيد حسان بن ثابت فيما يقوله من شعر.

واقع الحال يؤكد اننا غائبون مغيبون عن الفن الحقيقي ودوره ومقاصده الوطنية والدينية ومعالجاتنا الفنية خاصة في القضايا المحورية قاصرة جدا او لا وجود لها ان أردنا الدقة ولم نستخدم الفن للتعبير عن قيمنا الحضارية والجمالية ولم نقدم أنفسنا سواء في عصور الازدهار والتقدم ولا في عصور الانحطاط.

واقع الحال يؤكد ان العرب والمسلمين لم يتقدموا الى الفن وبالفن الى الامام مع انهم يعرفون ويدركون ان الفن وسيلة لاقتحام كل القضايا وخاصة الشائكة وانه البوابة الملكية للانطلاق عندما تشتد القيود وتغلق بوابات التنفس الطبيعي وحتى في الاوقات الطبيعية لم يستخدموا الفن لتدعيم القيم الايجابية وبث وتدعيم رغبات الانطلاق والحث على النفوق والابتكار واعلاء الروح الوطنية والقومية. فشلنا فشلا ذريعا في الارتكاز على الفن وغيره ايضا للتعبير عنا ونقل صورة صحيحة وجادة عن قيمنا وحضارتنا الاسلامية العريقة في الوقت الذي برع فيه الاخرون في عرض زيفهم وضلالاتهم والدفاع عما يسمونه قيم العلمانية والحضارة الغربية والاوروبية وصرنا كعرب ومسلمين بعيدين بقضايانا وغابت عن السينما وعالم الدراما وتم تسليط قوة هذا السلاح على مجتمعاتنا ليل نهار!

قد يقول قائل ان لدينا اعمالا رائعة تاريخية ووطنية ودينية وغيرها ؟

نقول نعم صحيح ولكنها في حكم النادر قليلة للغاية قدمنا عملا او عملين ثم توقفنا او انقطع نفسنا وبتنا نجتر في كل مناسبة وتكرارها كل عام هذا العمل وحده ورغم صرخات التحذير والتنبيه لم نتقدم خطوة وأصبحنا في وضع للخلف در وليس محلك سر!

فيلم اوفيلمان يتم عرضهما في كل القنوات الفضائية والارضية كل عام في مناسبات الهجرة النبوية والمولد النبوي والاعياد الكبرى والصغرى .وكذا الحال مع حرب اكتوبر مثلا وغيرها من معارك وطنية مهمة وقد بحت الاصوات ان سجلوا التاريخ قدموا البطولات والابطال للشباب والاجيال القادمة ولكن بلا جدوى!

ولك ان تتخيل ما فعله الصهاينة بالسينما لتضليل العقول في الغرب والشرق على السواء وكم الافلام التى انتجت للترويج وتزييف وقائع التاريخ واللعب بالقانون الدولي وغير ذلك ولن نتحدث عن امريكا والدول الغربية وما فعلته في هذا المجال.

صحيح لدينا اعمال فنية ولدينا مهرجانات دولية ومحلية وغيرها لكنها تحولت لساحة عرض لقضايا الاخرين وهمومهم وربما عرض قضايا تمس ديننا وتتعارض وقيمنا واخلاقنا وربما تنتقص من تاريخنا وتهيل عليه التراب.

الحضور العربي والاسلامي ضعيف وخافت وغير قادر على المنافسة اوالمواجهة وليس له قوة الحضور للسينمائيات الاخرى الجادة اوالموجهة لخدمة توجهات معروفة ومدروسة بعناية. وكأننا بلا قضية اولانجيد من الاعمال الا التوافه والشخلعة وما يقرب اليها من قول اوعمل فقد فشلنا في كل الفروع الجادة ونجحنا فقط في فرع"الهشك بشك" واصيب فننا بانتكاسة وبتنا وأصبحنا عالة على الاخرين حتى في الفن نستورد افلام السينما والمسلسلات ونعيش ونتسامر على المدبلج والمترجم ليل نهار وصار للمسلسلات التركية والارجنتينية والهندية شعبية اكثر من اي عمل مصري اوعربي وكل هذا كان له تأثيرهالخطير على منظومة القيم التى تعاني صراعا عاتيا مع الوافد بكل الاشكال والالوان.

ومع انهم يقولون ان الفن يخلق العافية في الحياة الا اننا لا نزال بعيدين تماما عن الطريق بعد ان حولنا الفن الى ادوات تخدير وتحطيم وهدم لقيم الخير والجمال.وتركنا الساحة لكل من هب ودب حتى اقتحم عرين الفن الموقوذة والمتردية والنطيحة والمتسولون وارباب السوابق والمطاردون من شرطة الاداب.الا من رحم ربي وصاروا نجوما في المجتمع ويقدمون كنماذج قدوة للشباب الحائر على موائد اللئام.

اخطر معارك الاسلحة الفنية تدور رحاها الان على الفضاء الالكتروني باعمال فنية خاصة ومخصوصة وباشتراكات هزيلة مقارنة بما يقدم واغراءات تصل حد الغواية ينطبق عليها المثل القائل السم في العسل ولكنه ليس سما واحدا بل سموم وسموم بلا بداية ولا نهاية والامصال متاحة لكن لا احد يريد استخدامها انهم على ما يبدو يعشقون الموت الرحيم للقيم والاخلاق وكل ما يمت للحياة الانسانية.

من يرغب في ادلة دامغة فعليه بمتابعة بسيطة لما يعرف ب" النتفليكس "وهذه قضية خطيرة سنتناولها في مقالات قادمة ان شاء الله.

الفنون المضيئة بكل اشكالها والوانها هي السلاح الامضى في مواجهة كل قوى الشر من اي نوع واتجاه. وهي السلاح الامضى للتعريف بدينك وقيمه الانسانية النبيلة ولتصحيح المفاهيم المغلوطة والافكار المسمومة ووأد الحملات المسعورة التي تستهدف كل جميل ونبيل واصيل في ديننا وحضارتنا الاسلامية.

لدينا ما نفخر به ونزهو على العالم كله المأزوم حضاريا واخلاقيا والذي يعاني اشد المعاناة مع تساقط اوراق التوت عنه ومع بزوغ انوار النهار وسطوع شمس الحقيقة واماطة اللثام عن زيف اللئام.

نعم نحن قادرون لو أردنا.

والله المستعان..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة