معاً للمستقبل
الآن.. يقول الشعب كلمته، ويختار ممثليه في مجلس النواب الجديد الذي جرتانتخابات مرحلته الأولى في 14 محافظة،وتنتهي العملية الانتخابية كلها في ديسمبر المقبل ، بعدها وتحديداً في 10 يناير 2021 تنعقد أولى جلسات البرلمان ليحلف أعضاؤه المنتخبون والمعينون اليمين الدستورية لتبدأ فصول جديدة في مسيرة الحياة النيابية بمصر..ويخطيء من يتصور أن مقاطعة الانتخابات قد تحرج الدولة أمام المجتمع الدولي؛ ذلك أن المتضرر الأكبر من تلك المقاطعة أياً ما تكن مبرراتها ودوافعها هو الممارسة الديمقراطية ذاتها والوطن نفسه الذي هو في حاجة لإسهام كل فرد من أفراده بالعمل والإنتاج، والمشاركة بالرأي أو الصوت الانتخابي الذي يمكنه دون سواه وفي ظل شفافية التصويت ونزاهته أن يضع المرشح المناسب في مكانه المناسب، ويقطع الطريق على أي محاولة لشراء الأصوات أو دخول المال السياسي لحلبة المنافسة الانتخابية.
المقاطعة سلاح العاجزين الفاشلين؛ وهي فوق ذلك سلبية تتنافى مع أدنى متطلبات الديموقراطية؛ فماذا تفعل الأحزاب والقوى السياسية إذا لم تتنافس وتنخرط في غمار النضال السياسي والانتخابات بشتى صورها ودرجاتها تحقيقاً لاستقرار حقيقي وحفاظاً على المصالح العليا للبلاد.
وإذا كنا نرفض تزوير الانتخابات وشراء الأصوات بالمال فليس أقل من أن نرفض بالدرجة ذاتها الدعوة لمقاطعتها مادمت تجري وفق ضوابط دستورية ارتضيناها، وإشراف قضائي كامل لا يرقى إليه أدني شك في نزاهته ومصداقيته.
الديمقراطية تتعمق بمزيد من الممارسة وتنضج بمزيد من العمل، وتتخلص من أخطائها شأنها شأن أي عمل بشري بمزيد من التجارب.. ويحدونا أمل عريض أن يستهل مجلس النواب الجديد عمله جنباً إلى جنب مجلس الشيوخ الغرفة الأخرى للبرلمان، مدركاً لجوهر تحديات الوطن وعمق مشكلاته ومتاعب الشعب العظيم ، وأن يعرف طريقه لقلب المواطن وعقله، ويحترم إرادته ووعيه، ويحرص على رعاية مصالحه، ويصغي لنبضه ويحنو عليه، ويسارع إلى الاستجابة لتطلعاته وطموحاته.
المواطن يرجوه برلماناً يحترم سيادة القانون، ويعلي مبدأ الفصل بين السلطات، ويكفل التنافس الشريف بين الأحزاب وتكافؤ الفرص بين آحاد الناس، برلمان يتبنى قيم الإدارة الرشيدة والديمقراطية الحقيقية، فلا تستهويه سطوة الهيمنة ولا أطماع النفوذ، ويسمع للجميع داخل البرلمان وخارجه، ويعدل بينهم، ويشاورهم في الأمر، ويؤمن بدور العلم وأهمية التعليم الجيد والنقد الهادف، ويقف على مسافة واحدة من جميع فئات الشعب؛فلا ينحاز لفئة على حساب الأخرى، الضعيف عنده قوي حتى يأخذ له الحق، والقوي ضعيف عنده حتى يستخلص منه الحق، يملك القدرة على الرقابة والتشريع واتخاذ القرار السليم في وقته المناسب، يعرف أعضاؤه حدود الأمن القومي ومقوماته، والمصالح العليا للبلاد. يتمسك بالحق مهما يكلفه.
برلماناً يستلهم رؤية الرئيس السيسي الهادفة لرقمنة الحياة وميكنة الإجراءات وتقليل أخطاء العامل البشري وإنجاز الخدمات في أسرع وقت وبأقل كلفة حماية للمواطن من بيروقراطية الموظفين وفساد الفاسدين..برلماناً يحتضن أهل الكفاءة والخبرة ويعتمد عليهم.. يؤمن بالمواطنة وانسجام المجتمع، يملك رؤية علمية للمستقبل تقوم على التخطيط السليم والإدارة بالأهداف والعلم وشفافية المقاصد ووجوب المشاركة الشعبية في القرار وتقييم أداء الحكومة وأجهزتها المختلفة التي تتعامل معه وتقدم له ما يحتاجه من خدمات.
نريده برلماناً يؤمن بأن البشر هم ثروة هذا الوطن وعدته وعتاده وظهيره في السراء والضراء ورأسماله الحقيقي الذي لا تقدم لأي دولة إلا عبر تنميته وتأهيله لقبول أي تغيير أو تطوير منشود. برلماناً يستلهم التاريخ ويستخلص دروسه وعبره ولا يتجاهل أو يستهين بإرادة هذا الشعب،ويدرك أن للعدالة طرقا عديدة لا تقتصر على إعادة توزيع الموارد والثروات فحسب بل بالبحث عن صيغ جديدة لتوليد مزيد من الثروة وفرص العمل والاستثمار.
برلماناً يعرف جيداً الأهمية القصوى للتعليم المنتج والبحث العلمي المثمر والصحة العفية للشعب فإذا ما تحقق ذلك فإن مصائب كثيرة سوف تنقشع مثل العشوائية والجهل والمرض.. برلماناً يحافظ على هيبة الدولة ومؤسساتها، ويشجع المشروعات القومية التي تقيمها الدولة للاكتفاء من الغذاء والكساء والدواء والطاقة.
المواطن يتوق إلى برلمان ينهض بدوره في دعم الدولة لأداء دورها الإقليمي والدولي، ويؤكد على حقوقها الثابتة، ويقطع الأيدي التي تتآمر عليها أو تسعى للنيل منها سواء تعلق الأمر بأمن المياه وأزمة سد النهضة وغيره..برلمان يعين الحكومة على التخلص من العشوائيات والضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين ويقضي على تضارب المصالح والانتهازية السياسية والاستقطاب، وكل ما من شأنه استهداف لُحمة النسيج الوطني.
أما أحزابنا فهي مدعوة للنهوض من سباتها حتى تعود مدرسة لتفريخ الكوادر السياسية وضخ الحيوية والعافية في أوصال الحياة السياسية والعامة كما في كل الدنيا ..ولن يتحقق شيء من هذا إلا إذا مارست هذه الأحزاب الديمقراطية بين جنباتها وبين قواعدها..ونرجو أن يكون انتخاب البرلمان الجديد فرصة لتغير من نفسها حتى تصبح قوية متماسكة فعالة مؤثرة في مجري السياسة، وحتى تتخلق قوة أو نخبة سياسية جديدة تحت قبة مجلسي النواب والشيوخ، وتفرز مرشحين كثراً في الاستحقاقات الانتخابية كافة.
المناصب في كل الدنيا ليست "سبوبة" لحصد المنافع ولا صكوكاً على بياض توهب لهذا المسئول أو ذاك النائب بلا ضوابط ولا مساءلة أو تقييم للأداء أو محاسبة حقيقية؛ فالشعب هو الرقيب الدائم ، والمسئول أو النائب جاء بإرادة هذا الشعب وتكليفه لصون مصالحه ورعاية مصالح الدولة العليا ..وفي كل الأحوال فإن المنصب تشريعياً كان أو تنفيذياً أمانة سوف يسأل عنها صاحبها.. ولنا في الرئيس السيسي قدوة تستوجب قراءة واستلهام ما يوجهه بين الحين والآخر من رسائل مهمة تجسد تقديسه للعمل واعتزازهوامتنانه لكل يد تكدح في أي عمل شريف وكل عقل يبدع وكل علم ينتفع به؛ ومن ثم فلا تكاد تمر مناسبة دون تكريم للعلماء والمبتكرين وحتى المواطنين البسطاء الكادحين لكسب عيشهم ولاسيما المرأة المعيلة التي تتحمل العبء الأكبر في فاتورة أي إصلاح اقتصادي.
وفي رأيى أن مثل هذه الرؤية جديرة بأن يستلهمها جميع المسئولين في الحكومة والبرلمان لمؤازرة كل مجتهد حفزاً لهم ولغيرهم من السائرين على درب الكفاح والعرق؛ فمثل ذلك المسلك الرئاسي الذي نراه دائماً في تعامل الرئيس مع مختلف طوائف الناس رسالة لكل مسئول أو موظف بأن يتعامل بالهمة والاهتمام والتواضع الواجب مع احتياجات الناس ومطالبهم فلم يعد مستساغا من أي مسئول أو نائب برلمان أن يستخف بردود أفعال المواطن وتقييمه لما يقدمه هذا الموظف أو ذاك النائب من خدمات؛ فكلاهما - وفقاً للدستور- خادم للجميع وفي عنقه أمانة سوف يسأل عنها أمام الله.
وللحق فقد طالب الرئيس السيسي الحكومة منذ حلفت اليمين بضرورة التواصل المنظم مع الجماهير وإطلاعهم على ما يجابه دولتنا من تحديات، وما ينبغي لكل منا أن يفعله إزاءها للحفاظ على ما أحرزته من إنجازات ومشروعات كبرى، ومكافحة الفساد بشتى صوره وعلى رأسه الفساد الإداري، والتحلي بالموضوعية عند اختيار الكوادر البشرية داخل كل موقع بما يسمو بقيم العمل والعطاء والجودة.
المواطن وشواغله ينبغي أن يكون في صدارة اهتمامات البرلمان الجديد وأولوياته، ومراقبة أداء الحكومة ومتابعتها أولاً بأول لتقديم أفضل الخدمات وترجمة رؤية الرئيس وتوجيهاته وملاحظاته إلى واقع يلمسه الناس ويحوز رضاهم، فإنهاض مصر واستقرارها معلق في رقابنا جميعاً لا يمكن لطرف أن ينهض به وحده، فالكل شركاء في الواجب والمسئولية.
لاشك أن أوضاع منطقتنا وتحدياتنا وما أكثرها لا تحتمل أي تهاون أو تقصير أو تراخٍ.. فكيف لمجتمع مثقل بكل هذه المتاعب أن يحقق أهدافه ولايزال بين أفراده كل هذا العدد من الأميين..وكيف لأمة أن تأخذ مكانها بين الأمم إلا بتعليم جيد وبحث علمي متقدم وصحة عفية، وهو ما أدركه الرئيس السيسي وسعى منذ اللحظة الأولى لتغييره، ولولا ذلك ما وصلنا لما نحن بصدده الآن من تغيير جذري لمنظومة التعليم على صُعد عديدة، لينتقل من التلقين والحفظ والاستظهار الذي لا طائل منهإلى منظومة ذكية تحرض على التفكير والإبداع والإنتاج والجودة..ولولا ذلك ما وجدنا مبادرات رئاسية عديدة لاستنقاذ صحة المصريين من براثن المرض الناهش في أجسادهم بلا رحمة وتطوير المستشفيات التي لا يزال بعضها يئن تحت وطأة الإهمال.. ولا مخرج من ذلك إلا بتمام تطبيق وتعميم التأمين الصحي الشامل الذي بدأ بالفعل في بورسعيد، حتى يجد الجميع تحت مظلته علاجهم المناسب الذي لا يكلف الفقراء شيئاً..والأمل كبير أن يدفع البرلمان الجديد هذا المشروع قدماً نحو تعميمه لما ينطوي عليه من أهمية قصوى.
نرجو أن ينخرط الجميع - برلماناً وحكومة- في حوار مبسط في لغته، عميق في مغزاه مع الناس الذين هم في حاجة دائماً لمن يصارحهم بحقائق ما يجري حولهم أولاً بأول حتى لا يُتركوا نهباً للشائعات والمغالطات، وحتى يمكن بناء رأي عام حقيقي يجمع الناس تحت مظلته وليس وعياً زائفاً كثيراً ما حذر الرئيس السيسي من مخاطره على الجبهة الداخلية المستهدفة طول الوقت من أعداء هذا الوطن.
صارحوا الجماهير بالحقائق كما يفعل الرئيس في لقاءاته وخطبه التي عوضت بلاشك الغياب الملموس والإخفاق الكبير للنخبة والأحزاب والإعلام في معركة الوعي وتبصير الناس بصحيح المعلومات والحقائق.
اخرجوا للناس أيها المسئولون أيا ما تكن مواقعكم.. وترجموا رسائل الرئيس إلى واقع ينصهر فيه الجميع حباً وتفانياً في خدمة وطنهم والدفاع عنه بالغالي والنفيس والجهد والعرق وإنكار الذات وخلع رداء التعصب للطائفة أو الحزب أو الجماعة.. واتخاذ القرار الصائب ووضع الرجل المناسب في مكانه ..فهذا كله من شأنه خلق توافق واطني لا غنى عنه لعبور هذه الفترة الصعبة من تاريخ مصر.
يحدونا الأمل أن يأتي البرلمان الجديد معبراً بحق عن الناس حائزاً رضاهم بعد أن كسب ثقتهم وأصواتهم..وتبقى المهمة الأولى للنواب الجدد هي ترجمة هذا الرضا على أرض الواقع رقابة وتشريعاً وتخفيفاً لمتاعب الشعب الذي هو دون غيره المراقب الأول وربما الوحيد لأداء البرلمان والحكومة معاً..وعليهما أن يقيسا مدى رضاه عن هذا الأداء أولاً بأول..فذلك أدعى للتواصل والتلاحم وكسب ظهير لا غنى عنه أبداً.