شكرت ممرضتي بامتنان عقب عملية جراحية اجريتها، بل نظرت إليها كملاك رحيم يوم اعطتني جهازًا، قالت لي وهي تعطيني إياه
: كلما شعرت بألم، اضغطي على الزر ضغطة، ثم كرريها لو استمر الوجع، ولسوف يذهب عنك البأس، وكلما ضغتي أكثر فرصتك في إختفاء الآمك تكثر.
لذا، فطوال فترة اقامتي بالمشفى، كنت أنظر لطاقم التمريض بإجلال كبير، حتى جاء آخر يوم لي بالمشفى، وإذ بهم يخطروني بأن "الزر" الذي كنت أضغط عليه كان يحقنني بجرعة "مورفين" يطلقون عليه "بان كيلير"..
Pain Killer
لم يتأثر جسدي بتلك الجرعات، فيما تأثر سلباً جسد مريضة أخرى فأدمنته، حتى أنها رفعت دعوى ضد المشفى طالبت فيها بتعويضات كبيرة لزيادة كمية التخدير الذي حقنوها بها.
لذا قلما اؤيد مخدرات الألم بشتى أشكالها.
فلكم أفضل الإقتراب من صديق يبوح لي بوضعي المزري ليهدي بصيرتي عما تعشاه عيني عن آخر يصمت أو يخدرني بكذبيبات آسنات مفادها أن لا داعي للطموح، فالعشوائيات لمتها دافئة وطوبى لحياة المعدمين، ثم أن "الكفن ليس له جيوب".
قيل لي يوماً: إن الموظف الذى ينتظر راتبه الضئيل قد يكون أهدأ بالًا واشد راحة من صاحب المليارات، لأن الموظف لاينتظر طفرات وقفزات ما يجعله فاقداً للطموح، ومن هنا فقد استدل القائل على أن فقدان الطموح راحة!
هذا القول زائف ولا يراد منه سوى تسكين احساس الغني بالذنب تجاه واجبه في دعم الفقير
It appease their sense of guilt
اتصدقون أن الفقراء يحرمون الطموح و يفقدون الرغبة في الترف؟
كلا وربي،لا يحرمونه، بل يئدونه كما يئدون بناتهم خوفاً من سفور ضعف محاولاتهم التي قد تفضح عار كسهلم وفقر عزيمتهم وصفر إصرارهم أو سوء ظروفهم وتعقيدات أوضاعهم.
هل تجسست يوما على حلم فقير؟
أفتحت عليه باب أمنياته؟
أشاهدت شغفه العاري ببيت مديره وسيارته؟
هل طالعت ضمير ربة رمنزل مهمشة تنظف زجاج النافذة فتنصدم من هئيتها الرثة، فتهرب لنوبات أحلام يقظة تتخيل نفسها "دوقة ويلز" تتمنى فستان "كيت ميدلتون" وصولجانها، قصرها وحاشيتها؟
هل تنصت على صومعة ناطورك فرأيته يضع قلمًا بطرف فمه متخيلاً نفسه الزعيم "تشرتشل" بغليونه، يأمر فيطاع، ويطلب فيجاب؟
هل دسست نفسك بين هيامات متسول متضجع على الأرصفة تحسبه صفر التطلعات فيما يتخيل نفسه يضاجع فينوس الهة الجمال؟ تعطيه حسنة، فيشكرك برضى مخنث يتفوق أداؤه التمثيل فيه على أداء الممثل "عبد الوارث عثر" بل لتحسبنه روميًا تبريزيًا بإمتياز؟
إنهم لا يفتقرون للطموحات ولا يعدمون الأحلام ولكن لربما نفتقد نحن البصيرة التي ترينا ضمائر المعوزين أو تعري شح نفوسنا تجه مساعدتهم.. كما أنه لم تتح لهم فرصة الضغط على ذر يحقنهم بجرعة مورفين ، فيخدرون أنفسهم برضى زائف يستره نقصان القدرة على التنقل بين مغريات الفرص ويفضحه لوتاريات اطلب واكسب معنا.
للكاتب الكبير "أمير تاج السر" كلمة قال فيها:" في بعض الأحيان، يبدو الحزن سلساً، وأكثر رشاقة من الفرح".
واتفق مع الكاتب الكبير، وبالمثل قد يبدو الفقر ظاهرياً سلساً اكثر وقاراً من الثراء المهيب..
وقد يبدو أن حضن الفقر أرحب وادفأ من قبلة الثراء العابرة.
فالثراء مؤهل للتقلّب، والتملّص، والتغيّر، والتمرّد، فهو إن شئت اوتي القدرة على الوفاء والخيانة معاً.
بعكس الفقر ذو الشخصية الثابتة المتحصنة بالتثاقل والتقاعس.. والمتسربلة بالركود والدعة.. و المتسترة خلف الخنوع والرضى المغشوش، وحتى وفائه أقل خضوعًأ للأختبارات، فمنبعه عدم قدرته على اتيان الخيانة.
هذا لأن الفقر شخصية عشرية، هلهلية ليس لها متطلبات سوى تمنى مطابقة أرقام اللوتاريا،او التحسر بالحسد على ما لم يحصد أو ربط الشرف والأمانة بالضنك.
اما الثراء فهو كائن أكثر دأبًا والحاحًا وسعياً، يطوف حول هدفه سبع أشواط ويربو.. ولا يهدر وقته في التنقيب عن ميراثه بين رميم الأسلاف.
فربما يتبى قولة ايليا:
ولا تك عالة في عنق جدّ … رميم العظم أو عبئا على ابن
ثم أن الركون لفكرة أن الفقير أسعد من ذوي المليارات كونه فاقد للطموح بالغريزة، هو منطق بالأساس ابتدعه الموسر وصدقه كونه يبحث عن تعلات للإستمرار في ممارسة تجاهله لإحتياجات إخوته المعوزين .. يريد تصديق فكرة أن رمانة الميزان تتوازن بمقدار رضي موجود بالسليقة مع شهادة ميلاد الفقراء، يقابله مقدار شقاء مقترن بأقدار الأعيان والمُلّاك.
ومن ثم فالوضع كيت .. وتعاطف الناس مع المعوزين أمر مبالغ فيه أساساً، فكلنا في الهم شرق مترفين ومعدمين.
وللإنصاف، يوجد بين الفقراء من يوقن أن أهم نعمة في العوز هو إيجاد بيئة تسمح بخلق الحاجات وتفجير التحديات التي لو تلقفها المعثر لأستخدمها كتمرينات قفز الحواجز أو كالأثقال التي تبني العضل فيقوى الساعد القادر على كبش النجاح. وهذا يفسر لما ينجب بعض الفقراء أغنياء ولما يعقب بعض الأثرياء بمعوزين لا يجيدون سوى الاستهلاك وسفح الوقت والمال في التفاهات، فالفئةالأولى استغلت تحديات الحاجة وحطمت اوثان المجتمع والدمى السابقة التصميم، اما الفئة الثانية فحصدت دون معرفة ماهية وأهمية الكدح المستمر لا الشكوى السرمدية.
ومن السفه ترجمة هذا النص على أنه دعوة لتمجيد الرفاهة وذم الحرمان.. فيما جوهر المراد هو التأسف لإقران الفقر بالصلاح والرضا .. وإلصاق الثراء بتجريف الشرف.
عوضاً عن ذلك، نعيد الأمور لنصابها، فاقصد بالغنى هو سعي الإنسان للإكتفاء، واعني بالفقر المذموم هو وجود من يستمرئ العيش في حياة وضيعة عوضاً عن قبول عملا لا يرقى لطموحاته.
لن تصير ثرياً بمجرد الشخوص للدولارات
ولن تصير ورعاً بمجرد تأمل الأيقونات.
فلا تكترث لخراقة قول يريد تخديرك بفكرة أن الفقراء يتمتعون براحة البال أكثر من الأغنياء فأصحاب المخمصة يموتون كالذباب في الخريف فيما يحيا الموسرين كالزهور في الربيع.
الفقر هو خريف الإقتصاد .. وفشلك هو مجموع ما لم تتمكن من الإصرار عليه بمحاولات متكررة .. وإني لأعول على قدرات الفقير، فالحصان الوديع رفسته أقوى.
هيا فارفس.
. ومهما كانت صباحاتك معتمة، فاجتهد لغروب مشرق