الى الامام
سؤال جوهري يطرح نفسه مع مطلع كل عام هجري ويطرحه المسلمون وغيرالمسلمين..لماذا يعجز المسلمون عن الهجرة الى الله ورسوله؟ رغم ان الكثيرين بل والجميع يشعر ويؤمن بضرورة واهمية الهجرة المطلوبة؟ ورغم ان العنوان الابرز مع كل احتفال هو الدروس المستفادة من الهجرة!ورغم ان الجميع يلهج بالدعاء اللهم ردنا اليك ردا جميلا!
واضح وعلى ما يبدو ان الكلام المكرور لا يتجاوز الحناجر ولا يكاد يصل الاذان اوانه ينزل ويلقى في ارض شديدة الملوحة واجهزة الاستقبال والتفاعل الجماهيري معطلة اوبائسة يائسة او ان العقلية السائدة اوالمهيمنة والمسيطرة لم يتجاوز فكرها حديث اليمامة والعنكبوت وظلت مستغرقة فيه استغراقا كليا في المضمون والمحمول ورغم ذلك لم نستطع مرة ان نحلق مع الحمام ولم نفهم رسائل الزاجل منه وغيرالزاجل او حديث الألف(بكسرالهمزة) والألآف (بضم الهمزة)وآثرالجميع ان يبقى في بيت العنكبوت وما ادراك ما بيت العنكبوت!
المسلمون الان في بيت العنكبوت تحاصرهم شباكه الواهنة يعيشون تحتها نافشو الريش تحت اوهام حماية مزعومة وقدرة على ان يقيهم الحر والبرد ومصارع السوء!
لابد من الاعتراف ان هناك ما هو اكبر واعظم خطرا من الخلل اوصل العالم الاسلامي الى ماهو عليه الان من تشتت وتشرذم وتناطح وتقاتل وتفتت غير مبال بما يجري بشانه وغير مكترث بتداعي الأكلة عليه من كل حدب وصوب ليس هذا وفقط بل انه يقدم للاكلة كل صنوف المقبلات لتلتهم ما تشاء وتعبث كيفما تشاء بكل اريحية في الوقت نفسه تجد المسلمين اشداء على انفسهم غير رحماء بينهم ياكل بعضهم بعضا وينصورون اعداءهم على انفسهم في تداع عجيب وغريب لم تشهده اكثر الامم عداوة وجهلا وانحطاطا وتخلفا باي مقياس في اي عصر!
لابد من الاعتراف ان المسلمين يعيشون ازمة خانقة مع الوعي على مختلف مستوياته وانهم بعيدون كل البعد عن معركة الوعي الصحيح وما قرب اليها من قول اوعمل.كما انهم يعانون من ازمة في التعامل مع الاصول الاسلامية والقواعد الدينية الصحيحة وهو ما احدث مستوى غير مسبوق من الخلل يضرب اطناب الحياة شرقا وغربا وجعلهم العوبة سهلة لكل لامس ولقمة سائغة لكل متطلع ومتنطع في عوالم السياسة والاقتصاد والتعليم والاعلام وغيره من مجالات الحياة.
الخلل الحادث والواقع على رؤوس العباد والبلاد جزء كبير منه صنعه المسلمون بايديهم.. وجزء اخر تم تصديره بعد حسن صياغة من قبل الاعداء الظاهرين والذين يعبثون من وراء حجاب.وجزء ثالث صنعه الكارهون من بني جنسنا ومن بين اظهرنا والمنافقون والزنادقة ومن لم تعرف لهم ملة او دين وممن يجيدون المتاجرة بالشعارات المرسومة لهم ومن يعرفون كيف يلعبون على كل الحبال حتى وان اغرقت وطنا او شوهت دينا او ضيعت بشرا.
جزء رابع لايقل خطورة وهو سعار المذهبية المقيت الذي اشتعل على حين غفلة وبدون وعي او عن قصد وجهل بحقيقة ما يراد من خطط واهداف.
ومن الاعتراف ايضا ان المسلمين في مجالات عدة قد خدموا الفكر الغربي ونظرياته وفلسفاته واهدافه بصورة اكبر مما كان سيفعل الغرب لو فعلها بنفسه.كان العلماء من ابناء العربية والاسلام اعوانا للفكر الغربي واكثر اخلاصا وحدبا على ماركس وانجلز وغيرهم في الوقت الذي لم يلتفت فيه احد ولو بقدر يسير ولا نقول بذات القدر الى الفكر الاسلامي ليس فقط لنقدمه للناس فضلا عن تطويره وتمحيصه والارتقاء به والبناء على ما تقدم.
لكن المصيبة الكبرى ان هؤلاء كما لو كانوا قد تحالفوا على الفكر الاسلامي وفي فترة حرجة كان يشهد فيه العالم الاسلامي تراجعا كبيرا وحالة من الجمود والعيش على ما تركه الاسلاف.هذا التحالف ساهم في حركة التراجع والاستمرار في الوقوف عند القدامى وتراثهم مما خيل للبعض ان التاريخ الاسلامي توقف عند لحظات معينة ومحطات لا يمكنه ان يغادرها واذا اراد حراكا عليه ان يتخلص من هذا القديم وقيوده وينطلق بما عند الاخرين بحلوه ومره.واهالوا التراب على عصور التنوير الاسلامية وما قدمته للبشرية من اشراقات يعترف الكثير من الغربيين ببصماتها الواضحة في المسيرة العلمية والحضارية.
وقد ضاعف من فظاعة وبشاعة ذلك التحالف الهجمة الاستعمارية الغربية الرهيبة التى اهلكت الحرث والنسل واصابت كل شيء في مقتل ومما يؤسف له مع تراجع الدورة الحضارية للمسلمين فضل كثيرون العيش في جلابيب اخرى تحت اوهام وخداع التقدم والحضارة الحديثة.
ولعل الجميع يذكر معركة التراث والحداثة والتى لاتزال بعض جيوبها مشتعلة حتى الان وتجد من يزيدها اشتعالا رغم اعتراف مفكرين كبار وحداثيين ايضا بالخطيئة التى تم ارتكابها في المعركة والتسليم بجريمة الانقطاع المعرفي مع التراث والارتماء في احضان البديل الغربي بعبله كمشروع متكامل والتسليم به حتى بالاجزاء التى رفضها الغرب والقى بها في مذبلة التاريخ واعتبرها نوعا من العار لا يليق بانسانية الانسان.ورغم ذلك يصرعليها العرب المتعربة ويضعونها في صالون ثقافتهم كما يقولون فرحين حتى وان عارضت ابسط القيم الانسانية والدينية والاخلاقية.
الامة في مواجهة حالة السقوط والتردي الراهنة وصلت مفترق طرق صعب وخطير وهي اشد ما تكون حاجة الى وقفة حاسمة حازمة لمراجعة لا تطول ولا تستغرقها دهاليز التنظير والتاطير لكنها وقفة للانظلاق اشبه بوقفة الاستعداد للطائرة على الممر لحظة الاقلاع وهي تتجه الى السماء لتحلق في الفضاء الرحب الفسيح.
من المفارقات التى تدع الحليم حيرانا ما يتعلق باحاديث اليقظة ومبادرات الاحياء والتى كانت احلاما ايام كان الجهل طاغيا والظلام متفشيا وندرة المدارس والجامعات وقلة وسائل الاتصال وضعف ادوات التبادل المعرفي والثقافي..الان الصورة تبدو معكوسة تماما مئات بل الاف المدارس والجامعات في مختلف التحصصات ووسائل اتصال رهيبة وطاغية ومسيطرة في سرعة البرق اجهزة وانظمة على مستوى عال في ارجاء الكون لم يعد هناك فرق بين دولة واخرى حالة من الذوبان والاشتعال والاحتكاك على كافة المستويات ومحاولات مستمرة لفرض النفوذ والهيمنة الثقافية وغيرها ومعارك حامية الوطيس في العبث بالعقول وتغييب الوعي عن القضايا الحقيقة والتلاعب بالشعارات الرنانة الفضفاضة للضحك على الدقون كل الدقون وتلبيس اللبدة التمام في دماغ السيد الزبون.
العالم الاسلامي في معاركه اشبه بالمخدر يضرب في الارض على غير هدى يحاول ويحاول لكنها محاولات اليائسين الضالين تشعر في احيان كثيرة انه اقرب الى قول الشاعر العراقي معروف الرصافي في واحدة من أشهر قصائده يقول فيها:
ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ
وتأخَّروا عن كلِّ مـا يَقضي بـأن تتقدَّموا
ودَعُـوا التفهُّم جانبـاً فالخير ألاَّ تَفهـمـوا
من جميل ما قاله الشاعر الهادي اسماعيل في الهجرة مخاطبا العرب:
ماذا أصابكمـو حتـى رأيتكمـو
على شفا جـرف في ربـوة هـار؟
ألا نكون كمـن قاموا بهجرتهـم
حتـى نلاقــي تيـارًا بتيــار؟
ألا تآخ كمـا في "يثرب" فعلـوا
فـلا يقـدم أولادي على جـاري؟
عزمًا كعـزم الأُلَى ضحوا بأنفسهم
فكـان أن ملكــوا آلاف أمصـار..
والله المستعان ..