رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

برقيات

عميقة هي العلاقة بين الطب والأدب بل أن كثير من الدراسات والأبحاث تناولت هذا الجانب الذي فرض نفسه علي الحياة الأدبية من منا لم يستمتع بأطلال الطبيب الأديب إبراهيم ناجي أو كتب وروايات الدكتور مصطفي محمود أو يوسف إدريس وأحمد تيمور وزكي مبارك وأحمد خالد توفيق وعلي المستوي العالمي أنطون تشيكوف وروبن كوك, وكما قال إبراهيم ناجي نفسة عن تلك العلاقة ان بعض المهن فيها من السمو ما يلزم بها أن يرقي بالنفس قرابة الدرجة الملائكية.

و المسافة ليست ببعيدة بين الطب والمحاماة, خاصة لو كنا نتحدث عن جيل العظماء, فكانت أول رواية عربيه "زينب " نشرت عام 1914 وتحولت إلي فيلم سينمائي 1930 وحياة محمد, والصديق أبو بكر, والفاروق عمر, وفي منزل الوحي, جميعها من مؤلفات الأديب والقانوني محمد حسين هيكل الذي درس القانون وحصل علي الليسانس عام 1909ثم الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس وعمل كمحامي بعدها لمدة عشر سنوات ثم رئيسا لتحرير جريدة السياسة كان يري أن رجل القانون إذا أراد أن يحسن القيام بعمله كمحام أو قاض أو عضو في النيابة عليه أن يكون أديبا .. والمحامي يجب أن يكون ملما بالأدب حتي يملك قوة الحجة وسلاسة العبارة وحسن الأسلوب وأتساق المنطق.

أبلغ القطع الأدبية كتبها قضاة وهم يسطرون أحكامهم, وكل أحكام البراءة حصل عليها محامون مبدعون امتلكوا ناصية الكلام وقوة الحجة والمنطق, فالأدب يمنح صاحبة القدرة علي التعبير والسرد وشرح التفاصيل والعواطف وكل ما يعتمل في النفس بأرق الأساليب.

دستور 1923 كان من أفضل الدساتير لأن من شارك فى وضعه محمد حسين هيكل وعبد العزيز فهمي وعبد الحميد بدوي وعبد العزيز البشري, كانوا مشرعون أدباء, وكذلك كان السنهوري باشا واضع القانون المدني.

ولأنني أنتمي إلي مدرسة القانون وعملت لفترة قصيرة جدا في مجال المحاماة عقب تخرجي من كلية الحقوق وكنت أحلق في عالم البلاغة المكتوبة لمرافعات حفرت في التاريخ لكبار المحاميين من جيل العظماء, صدمت بالطبع حين واجهني الواقع بوجه أخر مكشوف ليس فيه أدب وربما ليس فيه قانون أيضا, ففررت بما تيسر لي من إمكانات بسيطة إلي عالم الصحافة. أروقة المحاكم الأن تختلف كليا عن تلك الصورة الوردية من مرافعات عصماء تزلزل جدران المحاكم, وديباجة قانونيه تأخذ بالعقول لقضاة يستهلون بها أحكامهم. كما صورتها السينما في عهدها الذهبي, هي الأن أقرب جدا لما نقله عادل أمام وهو يقوم بدور حسن سبانخ في فيلم الأفوكاتو, أو محمد سعد في مرافعته في فيلم اللمبي 8 جيجا وكلا الفيلمين أثارا غضب المحامين وتقدموا ببلاغات وقت عرض تلك الأفلام ولكنهم يعلمون أن الواقع قد يحمل ما هو أسوأ من ذلك بكثير, ولهذا كانت كلمة نقيب المحامين رجائي عطية لشباب المحامين في جلسة حلف اليمين القانونية الأسبوع الماضي لها بالغ الأثر في نفسي لأن الرجل ينتمي إلي جيل العظماء من القضاء الواقف ويعز عليه أن يتولى المسئولية في وقت دقيق يشعر فيه بالأسي علي ما ألت اليه المهنة, فكما قال المحاماة أدب في العبارة والصياغة والسرد والسلوك ولهذا كانت هناك علاقة مصاهرة بين المحاماة والأدب لأنها رسالة وليست مجرد مهنه بزغ فيها من الزعماء والأدباء والمفكرين.

قال نحن نبحث عن أدب اللفظ والبعد عن الانحطاط خاصة أننا نعيش فترة نجد فيها من يسب أكبر أساتذته في العلم والسن وبألفاظ بالغة البشاعة, والأمل فيكم أن تزرعوا زرعا جديدا وتعودوا بنا للمحاماة التي كانت لأنكم صفحات بيضاء لم تتلوثوا بما تلوثت به صفحات الأخرين وليكن ولاؤكم للمحاماة لا للأشخاص فالأفة أتت من هذا السبيل وصارت العلاقة بين الطرفين علاقة مصالح وسبوبة وضاع الحق وضاعت النقابة وضاعت المحاماة

ذكرهم بأهمية المظهر المتمثل في روب المحاماة وما الملبس الذي تحته لأنه من أسباب اكتساب الاحترام ونصحهم بأهمية حضور الجلسات في المحاكم لاكتساب الخبرات والاستفادة من أخطاء الغير, المحاماة قوامها العلم والمعرفة وأداب المهنة والأمانة واحترام الكبير والعطف علي الصغير والشرف والأمانة.

الحق أشفق كثيرا علي شباب المحامين لسبب بسيط للغاية وهو أن الإنسان أبن بيئته ولأن هناك تراجع في التعليم والثقافة والفنون كانت تلك المظاهر السلبية ناهيكم عن المستوي الاقتصادي المتواضع الذي قد يكون حائلا دون تحقيق الكثير من الأمنيات أقلها المظهر الجيد وأعلاها الثقافة بكل فروعها الأدبية وهو ما كان متوفر لدي جيل العظماء في العصر الذهبي الذي نتحسر عليه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة