معاً للمستقبل
في ذكراها ال68 لاتزال ثورة يوليو مبعث فخر واحتفاء كبيرين.. وللفخر دواعيه التي لا تنسى وللاحتفاء أسبابه وبواعثه التي لا تخفى.. وعلى ضفاف الفخر والاعتزاز ثمة من ينتقد أو يهاجم أو يتحفظ وله أيضاً مبرراته ودوافعه ..وذلك من طبائع الأشياء؛ فالاختلاف من سنن الحياة؛ وهو أمر جيد يثري الرؤى ويعمق التوجهات ويكسبها مزيداً من الحيوية والخلود ..فأي ثورة قي الدنيا لها مزاياها ولها عيوبها، كما أن لها بالضرورة أنصارها ولها معارضوها ..فقد كسب بفضلها من كسب وخسر بسببها من خسر..ولا عجب والحال هكذا أن يبني كل امريء موقفه منها وأن تتشكل انطباعاته إزاءها وفقاً لما استفاده منها أو فقده بعد اندلاعها..لكنها في النهاية نقطة تحول فارقة في مجرى التاريخ الإنساني وحدث اجتماعي وسياسي كان له تأثير جلل في حياة المصريين وأوضاعهم ومستقبلهم.
وفي كل الأحوال ينبغي ألا تحول قناعاتنا دون الحكم الصحيح على ثورة يوليو وإنصافها وتحرى أقصى درجات الحياد في تناولها وتعريف الأجيال الجديدة بها وبما أنتجته وحققته من مكاسب اجتماعية وسياسية واقتصادية ومنجزات أسهمت في حلحلة الفوارق الطبقية الهائلة وفتحت الطريق نحو تشكل الطبقة الوسطى التي هي الحاضنة الطبيعية للإبداع والتطور..وما وقعت فيه من سقطات وإخفاقات أو نقائص هي من لوازم أي صنيع بشري.
وقد يتداعي إلى الأذهان مقارنة بين ثورتي 23يوليو1952 و30 يونيو 2013؛ فالأولى انطلقت شرارتها من الجيش ونهض بها ضباط وطنيون ضد حكم ملكي تحت مسمى " الحركة المباركة" ثم أيدها الشعب لتصبح "ثورة 23 يوليو"..أما "30 يونيو" فهي ثورة شعبية مكتملة الأركان حمل لواءها ملايين المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع في حدث غير مسبوق، طالبين إسقاط الحكم الإخواني، ثم انحاز الجيش إليهم حتى أزاح حكم الجماعة الفاشية، وأوقف مشروع أعداء مصر لتقسيم المنطقة وتمزيق دولها، وأجهض حلم الإمبراطوية العثمانية الذي كان ولا يزال يستهوي أردوغان الطاغية التركي الذي اجتاح بمعاونة البعض أراضي ليبيا وجعلها قاعدة ينطلق منها مهدداً أمننا القومي من الجهة الغربية، سعياً وراء نفط ليبيا وغاز المتوسط وهو ما لا ترضاه مصر، وتقف حجر عثرة ضد تحقيق مطامع تركيا التي لا تزال تراود أردوغان بعدما فشلت إمبراطوريته البائدة في السيطرة على المنطقة العربية بحسبانها القوة الوحيدة المهيمنة عليها.
ولأن النظام الحاكم في تركيا يعلم أن مصر هي رمانة الميزان للنظام العربي وللمنطقة برمتها فهو يسعى لعرقلة بناء دولة مصر القوية..وفي المقابل يدرك الرئيس السيسي تماماً ما يحلم به السلطان العثماني الواهم وما يخطط له أعداء مصر الذين لا يرجون لها قوة ولا منعة ولا تقدماً..بل يسعون لإضعافها ونزعها من محيطها العربي وسلب أدوارها التاريخية التي أحرزتها في الحفاظ على العروبة والإسلام.
وأتعجب ممن يرون خطورة ما يحيط بمصر وما يحاك ضدها من كل الاتجاهات وخصوصاً حدودها الغربية ثم ينتقدون اهتمام القاهرة بما يحدث في ليبيا التي تجمعنا بها حدود مشتركة تمتد لأكثر من 1200 كيلو متر، بعد انقضاض الخصم التركي عليها مستغلاً أوضاع أمتنا العربية ..لكن الوضع في ليبيا يختلف تماماً عن التدخل في اليمن..فتمدد جماعات الإرهاب المدعومة بغطاء تركي في ليبيا وتمويل قطري يهدد استقرارنا بصورة مباشرة ..ذلك أنه خطوة مبدئية نحو التدخل المباشر في شئون مصر وتوطئة لاستنزاف مقدراتها وزعزعة استقرارها وإضعافها..ثم ما أهداف تركيا من اجتياح أراضي ليبيا والبقاء فيها استناداً لاتفاق غير مشروع مع بعض الأطراف هناك..؟!
تاريخياً لم تتخل مصر عن أشقائها في موجهة الاستعمار عبر دعم حركات التحرر الوطني..كما حدث مع الجار الليبي في مواجهة المحتل الأجنبي وهو ما يعيد نفسه اليوم ويفرض علينا اتساقاً مع تاريخنا وجغرافيتنا وروابط الدم والعروبة أن نواصل ممارسة الدور نفسه في الدفاع عن استقلال ليبيا ووحدة ترابها الوطني والانتصار لإرادة شعبها الرافض للوجود التركي على أراضيه مهما تكن الذرائع والمبررات والأحلاف والمصالح..فالدفاع عن ليبيا الشقيقة و الجارة هو في جوهره دفاع عن مصر التي يتهددها خطر ميليشيات الإرهاب التكفيرية التي نقلها أردوغان إلى ليبيا برعاية وتمويل قطري..كما امتدت أذرع النظامين التركي والقطري للعبث في موضوع سد النهضة ..فكيف بالله عليكم نفرط في أمننا القومي وحقوقنا في مياه النيل وغازنا في المتوسط بدعوى أن الشأن الليبي ليس من صميم أمننا ولا من مرتكزات وجودنا واستقرارنا..ولا يجوز التهاون أو السكوت على ما يجري هناك.
ما من شك أن الدفاع عن مصالحنا الحيوية فريضة تستوجب الاصطفاف حول قضايانا المصيرية وخلف قيادة مصر وترك خلافاتنا جانباً، والاستعداد للتضحية في سبيلها متى تطلب الأمر ذلك دفاعاً عن وجودنا ..فقد كتب علينا القتال وهو كرهٌ لنا، وتكالبت علينا قوى الشر تبغي النيل من مقدرات حياتنا غافلين أن الله ينصر من يدافع عن حقه ولا يعتدي على غيره، وأن مصر -هكذا علمتنا حكمة التاريخ- صخرة قوية يتحطم عليها كل طامع حاول النيل منها أو العدوان على شعبها.
نعود إلى ثورة يوليو وكيف كانت حدثاً تاريخياً ملهماً، ليس للمصريين وحدهم بل لشعوب المنطقة و العالم أجمع؛ فمنها انطلقت حركات التحرر في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرهما، وعلى نبراسها تأسست حركة عدم الانحياز، وانحسرت بفضلها موجات استعمارية أذاقت البشرية مرارة الذل والاستعمار.
فإذا قال قائل إن ثورة يوليو أكلت أبناءها أو بعضهم فذلك لا يخلو من حقيقة لكن الصحيح كذلك أن بعض بنيها اختلفوا معها وانقلبوا عليها، ولعل البداية كانت من أزمة 1954 التي أنهت شهر العسل بين رفاق يوليو، فاستحال الوفاق بينهم خلافاً، واحتدم الصراع بين الضباط الأحرار صناع الثورة ومفجريها، فانقسموا فريقين؛ الأول تزعمه محمد نجيب رئيس الجمهورية وقتها ومعه خالد محيي الدين ويوسف صديق، وقد أصروا على الوفاء بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم للشعب بتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، وهو ما رفضه جمال عبدالناصر وفريقه الذين كانوا أغلبية في مجلس قيادة الثورة، ورأوا تمديد الفترة الانتقالية سنوات أخرى حتى تكتمل أهداف الثورة، وتتحقق مبادئها الستة التي قامت من أجلها.
وانتهى السجال بإقالة اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر، وتحددت إقامته في فيللا بالمرج حتى انقضى أجله ..بينما لزم يوسف صديق بيته رافضاً استكمال مشواره مع الثورة التي كان أحد أهم أركانها، فهو منفذها من فشل كان محققاً لولا مخاطرته باقتحام قيادة الجيش في اللحظات الأخيرة وقتها وكان سيدفع ثمنه أولاً قبل رفاقه الذين كان في انتظارهم محاكمات ومشانق تذكرنا بما أقدم عليه السيسي من مخاطرة قبيل إزاحة الإخوان عن الحكم ولو فشل كان سيلقى مصيراً مؤلماً..كما سيسجل له التاريخ أنه رد الاعتبار ل" يوسف صديق" بحسبانه رمزاً وطنياً كبيراً بمنحه قلادة النيل تقديراً لدوره في إنجاح ثورة يوليو مثلما كرّم من قبله اللواء محمد نجيب بإطلاق اسمه على أكبر قاعدة عسكرية غرب البلاد .
الرئيس السيسي بتكريمه رموزاً وطنية منسية صحح أوضاعاً خاطئة تاريخياً، وأنصف قادة حقيقيين لثورة يوليو ورفع عنهم ظلماً ما كان يصح أن يقع في حقهم.
أما فريق عبدالناصر قثد غيب الموت الأخوين جمال وصلاح سالم، وانتهى الحال بعبداللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم إلى التقاعد، وتجرع عبدالحكيم عامر كأس المنية ليلقى نهاية أشد مأساوية.. ولم يكن "ناصر" أحسن حالا من رفاقه فسرعان ما أفل نجمه وغيبه الموت في سبتمبر 1970بعد اعتلائه سدة الحكم بنحو ستة عشر عاماً، مستمداً شرعيته من ثورة يوليو ليخلفه السادات الذي سرعان ما خلع قميص "ناصر" فور توليه الحكم، وأجبر من بقي من أبناء الثورة على التقاعد واعتزال العمل السياسي ثم انقضى عصره ا هو الآخر سريعاً بما له وما عليه، بعد تحقيقه أعظم انتصارات العرب في العصر الحديث في أكتوبر 1973 حيث لقى الشهادة بين جنوده يوم العرض العسكري ..وهكذا مضى عصر الثورة، وانطفأت أضواؤها، وفرغت من أكل بنيها، وتهيأت الفرصة لخصومها الذين نهشوا ما استطاعوا منها، ولم يسلم عبدالناصر نفسه من محاولات الهمز واللمز، وإهالة التراب على عصره كله وإنجازاته الكبرى..والسؤال الآن: لماذا غاب الإنصاف والموضوعية في التعامل مع ثورة يوليو ومراحل مصر التاريخية السابقة..وحضر التطاول والتشويه واختلطت الحقائق بالأكاذيب وغشيت أجواء النقد والتقييم ضبابية وشاعت الروايات المتضاربة وتواترت أحاديث عن سلبيات الثورة وأخطائها بعد رحيل ناصر، فلم نجد لها توثيقاً أميناً ولا شهوداً عدولاً ينطقون بالحق أوبه يعدلون أويتجنبون المواءمات والهوى حتى صار الاختلاف خلافاً وخصومة جرى بموجبها تصنيف ثورة يوليو ضمن الموبقات السياسية وتجريدها من أي مزايا أو إنجازات رغم أنها لا تزال شاهدة على عظمتها وما قدمته للناس، وما أحدثته من تحولات جذرية في تاريخ مصر والمنطقة كلها شاء من شاء وأبى من أبى.
ومن أسف أن محاولات الإنصاف التي بادر بها البعض جاءت على استحياء ومواربة، وليس مستغرباً والحال هكذا أن تجهل الأجيال الجديدة في ظل غياب التوثيق الأمين والمحايد لثورة يوليو حقيقة تلك الثورة وما تحقق من مبادئها حتى اختلط الحابل بالنابل وجرى تشويه الحقائق التي غابت بعض جوانبها ولم يعرف منها إلا ما أبرزه الإعلام في الأعمال الفنية والدرامية من أفلام وأغانِ لا تزال مصدر إلهام وإمتاع كبيرين يتلقاها الناس بشغف هائل ..فكيف يبنى الإنسان بمعزل عن حقائق التاريخ؟!
وإنصافاً للحقيقة فإن ثورة يوليو غير المعصومة من الخطأ حققت ما لم يكن يحلم به شعب مصر، ويكفي أنها قضت على الاستغلال والعبودية، ونجحت في تذويب الفوارق بين الطبقات والقضاء على الاستعمار ووفرت التعليم المجاني للجميع..وهي بهذا المعنى كانت أكثر إنجازاً وتغييراً إيجابياً لواقع الناس ..فهل نجد من يعيد كتابة التاريخ بموضوعية وحياد حتى نرى أجيالاً جديدة تدرك حقيقة ما جرى في مصر وما يراد بها وبالمنطقة كلها ..فالوعي الشعبي قادر على العبور بمصر من الأزمات والتحديات الكبرى.