رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

لم يعد يكفى التعايش مع وباء كورونا لتفادى المزيد من الخسائر البشرية والتداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التى خلفها الوباء على كل شعوب العالم.. بل المطلوب منا جميعا كأفراد ومؤسسات وحكومة أن نستخلص العبر والدروس المستفادة من الظروف الصعبة التى مررنا بها طوال الشهور الماضية، خاصة وأن التقارير الطبية العالمية والمحلية تؤكد أن الوباء عالميا واقليميا ومحليا لم ينحسر بعد، ولا يدرى أحد متى نتخلص منه.. كما لا يمكن التوقع بما سيحدثه الوباء بالعالم مستقبلا، خاصة وأن العالم المتقدم الذى أبهرنا بكل الاكتشافات والاختراعات وتسابق فى انتاج أسحلة الدمار الشامل لا يزال يقف عاجزا عن اكتشاف علاج أو مصل لهذا الفيروس المدمر.

على مستوى الحكومة أعتقد أن العبر والدروس واضحة ومحددة وبدأت أجهزة الدولة المختلفة التعامل معها.. وفى مقدمتها ضرورة دعم مؤسسات الرعاية الصحية ومدها بما تحتاج إليه من أجهزة ومعدات وأدوية وأدوات حماية للعاملين فى هذه المؤسسات التى أصبح كل العاملين فيها جنودا فى خدمة الوطن، ورغم ما حظيت به تلك المؤسسات الطبية من دعم مادى وعلمى وتقنى من الحكومة إلا أنها فى حاجة الى مزيد من الدعم، وهذه ليست مسئولية الحكومة وحدها.. بل هى مسئولية كل رجال الأعمال وأثرياء الوطن الذين نعموا بخيراته.. فالمستشفيات الحديثة هى إحدى أبرز أدوات المواجهة، ولا ينبغى أن يتوقف دعمها على خزينة الدولة التى تخصص جزءا كبيرا من مواردها للقطاع الصحى.. كما لا ينبغى أن يكون دعمها شعبيا عن طريق الزكوات وصدقات القادرين كما شاهدنا فى حملات جمع التبرعات فى رمضان.. بل يجب أن يبادر أثرياء الوطن ببناء مستشفيات جديدة، أو تجهيز مستشفيات بالمدن والقرى فى مختلف محافظات مصر، وعلينا أن نستعد جيدا لحروب قادمة بين الدول الكبرى لن تستخدم فيها الطائرات والقنابل والأسلحة التقليدية، بل ستكون هذه الحروب بيولوجية وفيروسية وسيكون البشر هم ضحاياها.

**

أيضا من أهم الدروس المستفادة ضرورة نشر الوعى الصحى بين المواطنين باتباع السلوكيات الصحية والتخلى عن السلوكيات الضارة والمدمرة للصحة، وهذا الأمر يحتاج الى جهود كبيرة من الأطباء وخبراء الصحة العامة من خلال كل أجهزة الإعلام والتوجيه فى المجتمع، وهنا لا ينبغى أن نمل أو نيأس فاصعب المهام هى مهمة تغيير سلوكيات الناس، وخاصة هؤلاء البسطاء الذين تعودوا على نمط حياة أصبح غير مناسب لعصر الفيروسات والأمراض المعدية والخطيرة التى تتناقل بين البشر بسهولة وسرعة كبيرة فى غياب الاحترازات الصحية.

مهمة تغيير سلوكيات المواطنين ومواجهة السلوكيات الخاطئة ينبغى أن تكون لمؤسسات التعليم بمراحله المختلفة دور كبير فى ذلك من خلال مناهج تعليمية، وتدريبات مدرسية عملية، وجهود لطلاب الجامعات لخدمة البيئة المحيطة بهم، ومع انتشار الجامعات فى معظم محافظات مصر نتطلع لأن يكون لأساتذتها وطلابها ومراكز خدمة البيئة بها جهود ملموسة فى مواجهة السلوكيات الضارة بالصحة العامة بين المواطنين.

من الدروس المستفادة من جائحة كورونا ضرورة تسليح الأطباء وفرق التمريض بكيفية تجنب العدوى وهذا يفرض على كليات الطب والتمريض فى مصر زيادة الاهتمام بقطاع الطب الوقائى تعليما وتدريبا، كما ينبغى الاهتمام بهذا التخصص المهم فى كل منشآتنا الطبية، وتقديم حوافز جيدة لخريجى كليات الطب للتخصص فيه بعد أن هجره الأطباء الشباب واتجهوا لتخصصات أخرى أكثر ربحا وبريقا فى الوسط الطبى والاجتماعى بشكل عام.

***

لقد لقنت جائحة كورونا العالم كله دروسا قاسية فى ضرورة الاعتماد على النفس فى كل شىء.. فى مواجهة الأمراض الفتاكة وفى انتاج الطعام وتحقيق الاكتفاء الذاتى فى كل شىء.. ولذلك علينا أن نولى اهتماما خاصا بمراكز البحوث العلمية والطبية، ورغم أن مصر تقدمت كل دول افريقيا فى البحوث الطبية لمواجهة كورونا إلا أننا نتطلع الى مزيد من العناية بالبحوث الطبية خاصة وأن لدينا العديد من الكيانات العلمية القادرة على تقديم الجديد، ووضع مصر على خريطة البحث الطبى المفيد للبشرية، ويمكن لهذه المراكز والكيانات البحثية المصرية أن تستفيد بخبرة أساتذة وعلماء مصر المنتشرين فى كل دول العالم، لتقديم إضافة حقيقية لما تقدمه مراكز البحوث الطبية فى العالم.

وهنا علينا أن ننقل للعالم تجارب أطباء مصر فى مواجهة وباء كورونا الذى حير كبار أطباء العالم، وأن نثق فى أنفسنا وقدراتنا.. وقد استمعت الى جهود أطباء مستشفى العزل بمركز الباجور فى التعامل مع الوباء طبيا بإضافة أدوية لبروتوكول العلاج أدت الى تحسن واضح فى الحالات المصابة وسرعة خروجهم من المستشفى وعدم الاحتياج الى أجهزة تنفس صناعى إلا لحالة واحدة من بين 150 مصابا بكورونا.

أطباء مصر قادرون على إبهار العالم بكل ما هو جديد ومفيد لو وجدوا الإمكانات الطبية، وهم ينتشرون الآن فى معظم مراكز البحوث الطبية فى أمريكا وأوروبا ويقدمون جهودا كبيرة فى تحقيق مراكز علمية متقدمة لكل المراكز الطبية التى يعملون بها.. ولدينا من أطباء الداخل من يستطيع أن يقدم الجديد لو بدأنا نحفز الأطباء على البحث ونغير مفاهيمهم التجارية ويتعلمون أن الطبيب بإسمه وإسهاماته العلمية والبحثية ورعاية مرضاه وليس بما يحقق من شهرة ومال من خلال الشو الإعلامى والفهلوة التى يعتمد عليها بعض الأطباء فى تحقيق أهدافهم وفى تحقيق المزيد من المال.

تعلمنا من وباء كوروبا الكثير، ودول العالم ستغير من سياساتها وستولى المزيد من العناية بالبحوث الطبية وانتاج ما تحتاج إليه شعوبها من أدوية ومستلزمات طبية ومصر ينبغى أن تكون فى مقدمة الدول التى تستفيد من هذه المحنة القاسية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة