لوجه الله
كل عام وأنتم بخير.. هل علينا شهر رمضان المعظم.. الشهر المبارك الذى اختصه الله بالعديد من الفضائل والبركات وبدأت بنزول القرآن الكريم فيه، وهو دستور حياة المسلمين كلها، ومصدر هدايتهم حيث يقول الحق سبحانه: "إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا".
كما جعل الخالق هذا الشهر الفضيل ساحة للسباق الى كل صنوف الخيرات والتخلص من ذنوب وآثام العام كله، حيث يقول رسولنا العظيم صلوات الله وسلامه عليه:" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
لقد حثنا عليه الصلاة والسلام فى العديد من وصاياه الكريمة على جنى ما فى رمضان من بركات ونعم وخيرات، لنفوز فى النهاية ب"الجزاء الأوفى" الذى وعد به الخالق عباده الصادقين فى نواياهم وفى عباداتهم الرمضانية من صيام وصلاة وزكوات وصدقات تطوعية ورعاية سخية للفقراء وهو "العتق من النيران والغفران من الذنوب" وهذا جزء من العطاء الإلهى الوافر لكل من يحسن استغلال هذا الشهر الفضيل.
لشهر رمضان الفضيل بركة، وفيه لكل من يحرص على الطاعة والعبادة خير وفير، وقد أوضحت كل ذلك نصوص قرآنية، وتوجيهات ووصايا نبوية كريمة، فرمضان كله خيرات وبركات وعطايا إلهية، حدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال وهو يستقبل هذا الشهر الفضيل: "يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من قرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد رزق المؤمن فيه، من فطر صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله أليس كلنا لا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء، أو مذقة لبن، وهذا شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله تعالى له، وأعتقه من النار، استكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل، وخصلتين لا غنى لكم عنهما.. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل فشهادة أن لا اله إلا الله، وان تستغفروه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله تعالى الجنة، وتعوذون به من النار، ومن سقي صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة".
هذه الوصايا النبوية جاءت فى خطبة جامعة ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهاية شهر شعبان، واستقبل بها شهر رمضان، وأوضح للمسلمين فيها مفاتيح الخير، وهيأهم تماما للإكثار من العبادة، والاستغفار والكرم في الشهر لكريم.. فهل هناك خير وبركة أكثر مما فى رمضان؟
***
للأسف.. كعادتنا فى كل أزمة أو مشكلة يتجادل العارفون وغير العارفين، وقد كثرت الاجتهادات حول وجوب صوم رمضان فى ظل جائحة كرونا التى يعيشها العالم والتى ألمت بنا نحن المسلمين ونحن نعيش أجواء فريضة الصوم، ورأى البعض أن الصوم فى ظل هذه الأزمة الصحية العالمية قد يضاعف من فرص الإصابة بالفيروس القاتل، وهو الأمر الذى دفع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر – وهو الهيئة الشرعية الأكبر فى العالم الإسلامى- الى جمع علماء الشريعة مع أساتذة الطب وممثلى منظمة الصحة العالمية على مائدة واحدة، وبعد مناقشات مستفيضة من جميع الأطراف والوقوف على وسائل انتقال الوباء من إنسان مريض الى آخرين والاطمئنان الى أن الصوم لا يوفر فرصا أكبر لانتقال العدوى صدرت الفتوى بعدم جواز تعطيل فريضة الصوم استنادا الى أوهام.
ورغم صدور فتوى مجمع البحوث الإسلامية مستندة الى حيثيات شرعية وطبية خرج بعض هواة الجدال يشككون ويرددون مقولات لم يقل بها الأطباء فى أى مكان فى العالم، وقد لقيت فتوى مجمع البحوث ترحيبا جماهيريا ظهر بوضوح من خلال مواقع التواصل الاجتماعى، خاصة بعد تعليق صلاتى الجمعة والجماعة واغلاق المساجد، والشعب المصرى شعب متدين بطبعه ويتطلع غالبيته الى أن يعشوا أجواء رمضان ويجنوا ثماره الطيبة.
لقد فرض الله علينا الصوم لمكاسب وفوائد تعود علينا- نحن الصائمين- وقد تبارى أساتذة الطب وخبراء الصحة العامة فى تعديد فوائد ومكاسب الصوم للأصحاء ولكثير من المرضى، وحتى فى عصر كورونا تحدث الأطباء- وهم أهل الذكر فى هذا الأمر- عن فوائد ومكاسب صحية تعود على الصائم الى جانب حالة الاستقرار النفسى التى يعيشها الصائم، والتى تنعكس على حالته البدنية العامة وتؤدى الى رفع مناعته.
وهنا أترك الأستاذ الدكتور السيد العقدة أستاذ الصحة العامة بكلية الطب بجامعة عين شمس يحدثنا عن فوائد الصوم فى عصر كورونا.. يقول: الصوم ينتج عنه فوائد كثيرة لجسم الانسان حسب الأبحاث العلمية، من أبرزها: نقص مستوى الدهون الضارة منخفضة الكتلة، والثلاثية فى الدم؛ مما يحسن وظائف القلب، ويحسن مباشرة الدورة الدموية، الى جانب انخفاض معدل ضغط الدم، وزيادة فى عدد كرات الدم الحمراء والصفائح الدموية وخلايا الدم البيضاء المناعية، ومن ضمنها الخلايا الليمفاوية والتى لها تاثير دفاعى مباشر ضد الفيروسات (مثل فيروس كوفيد19) مما يحسن مستوى المناعة بشكل مباشر.
وحول ما يدعيه البعض من أن الصوم قد يضاعف فرص الإصابة بفيروس كورونا بسبب نقص الماء وجفاف الحلق يقول د. العقدة: لا يوجد بحث علمى او حقيقة واحدة ربطت بين الصيام المتقطع وبين زيادة معدل الاصابة بالفيروسات.. لذلك فالمؤكد طبيا أن الصوم لا يضاعف من فرص الإصابة بالفيروس الخطير، كما أنه لا يقلل فرص العدوى، ولكنه يساهم بشكل مباشر في مقاومة الفيروس فى حالة العدوى.