من لم يدرس التاريخ محكوم عليه بإعادة معايشة احداثة .. هذه المقولة اذكر جيدا اننى قرأتها في احد كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل الكاتب والصحفى الكبير.
وهذا يعيدنا الى ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان اثناء حرب عام 1967، عندما راهن على انه سيكسب تلك الحرب بنفس الخطة التي حارب بها العرب في العدوان الثلاثى عام 1956، وقال اننى احارب شعوب لا تقرأ تاريخها ولا تعى تجاربها الإنسانية..
والشاهد من المقولة ان التاريخ يمكن ان يعيد نفسه فقط على من يقومون بتجاهل احداثة والمرور عليها مرور الكرام بلا وعى او فهم او دراسة.. واقتبس هنا بعض ما جاء في كتابة التاريخ..
فالتاريخ ليس كتابة حياة فرد، أو حادثة، أو تاريخ شعب وأمه، وإنما هو تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف و يسجل ما مضى من وقائع و أحداث و يحللها و يفسرها على أسس علمية صارمة بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر و التنبؤ بالمستقبل.
وكذلك دراسة ظروف السياقات التاريخية وتفسيرها ، فمنهج البحث التاريخي هو مجموعة الطرق و التقنيات التي يتبعها الباحث و المؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، و إعادة بناء الماضي بكل وقائعه و زواياه ، وكما كان عليه زمانه ومكانه تبعا لذلك فالمنهج التاريخي يحتاج إلى ثقافة واعية و تتبع دقيق بحركة الزمن التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النص التاريخي ، لهدا وجب ارتباط المنهج بمستويات النقد في كل مراحله الممثلة في التفسير والتأويل و التنقيح و الحكم نظرا لعنايته الجادة بالنص كرؤية واقعية ترتبط بالزمن و العصر. ويجب كذلك إعطاء الأهمية الأولية للسياق التاريخي لتأويل النصوص لان هناك وثائق تعبر عن انحياز كامل للمرحلة التي كتبت فيها ، لهذا فبعض الوثائق التاريخية لا تعبرعن حقيقة مايجري من أحداث لهذا وجب التركيز على قراءة النص التاريخي ونقده لان هناك كتابات لمؤرخين سيطرت عليهم الإيديولوجيات السياسية السائدة أتناء الفترة التي أنتج فيها.
ثم إن وجود هذه الحقائق والوثائق بين أيدي هذا المؤرخ أو ذاك لا يضمن الاتفاق بين المؤرخين على تأويلها نفس التأويل لأن لكل مؤرخ وجهة نظره ودوافعه، لهذا فالمؤرخ هو من يتخذ القرار المسبق في عملية ترتيب النصوص والوثائق التي تخدم وجهة نظره ، لهذا لا يمكن أن نضمن اتفاقا بين المؤرخين على حدث معين ، فلكل تأويله وتحليله لهذا عند تحليل النصوص التاريخية لا بد من الوقوف على علاقة المؤرخ بالوثائق والحقائق التي يملكها بين يديه كمواد خام للدرس والتحلي ، هل يعتمدها كحقيقة مسلم بها ؟ أم يقارنها بمعطيات أخرى مثل التحدث عن الإيديولوجيات والمواقف السياسية السائدة في العصر التي كتبت فيه الوثائق ؟ وكذلك مقارنتها بالموقف السياسي لكاتب الوثيقة وعلاقته بعصره.
إن الحقائق والوثائق ليست في حد ذاتها تاريخا، وإنما هي شهادة تشهد على جزء من اللحظة التاريخية وقد تكون هذه الشهادة مزيفة، ولذا ينبغي مقارنتها بشهادات أخرى بهدف الوصول للحقيقة لان الحقائق التاريخية لمرحلة معينة تخضع دائما وللتعديل، وكذلك لحذف بعض عناصرها بسبب المصالح، أو بغية إخفاء ما لا يتلاءم مع الفاعلين في التاريخ .
لماذا اذن كل ما سبق ؟ في الحقيقة فاننا اصبحنا في حاجة ملحة للتأريخ لما شهدته مصر في الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١، يتم فيها اعتماد الحقائق من صانعيها حتى نزيل اللبس الذى تشهده الأجيال الحالية والقادمة.
خاصة ان جميع من ساهموا في صناعة الاحداث وشاركوا فيها حتى من قبل وقوع الحدث الأكبر يوم ٢٥ يناير مازلوا على قيد الحياة، ويتمتعون بصحة جيدة، وهى فرصة يجب ان نستفيد منها قبل فوات الأوان وقبل ان تتوه الكثير من التفاصيل الدقيقة في زحمة الاحداث او تصاب بعلة النسيان لدى بعض صانعيها.
كما ان البرلمان المصرى يجب ان يكون معنيا بهذا الامر باعتباره ضمير الامة، والذى يجب ان يتولى تشكيل لجنة قومية عليا يشارك فيها أساتذة تاريخ وادباء ومفكرين وعسكرين يتولون اعداد دارسة شاملة للجوانب التي سيتم التأريخ لها ووضع قوائم لاسماء المشاركين من جميع الفئات الذى كان لهم دور في احداث يناير،والذين سيتم الادلاء بشاهدتهم لتوثيق تلك الاحداث ، وتحليلها بمنتهى الحيدة والموضوعية وباستخدام المنهج العالمى في جميع الخطوات حتى نحصل الى صورة واضحة تنهى على الأقل الكثير من اللغط الدائر حاليا. فاللهم لا تجعلنا ممن يعيشون تجارب واحداث التاريخ مرتين.
-------------
استاذ بجامعة حلوان - استشارة دولى