إلى الأمام
الفنان الكبير فاروق حسنى صاحب اطول مدة بين وزراء الثقافة في مصر والوزراء عموما قضى ما يقرب من ربع قرن متحكما في رأس جهاز الثقافة (من 1987 وحتى يناير2011)ولولا الثورة والرحيل القسري لحكم مبارك لظل مدة اطول.
المهم ان السيد الوزير تحدث مؤخرا في لقاء بالعاصمة البحرينية المنامة عن موضوع في غاية الاهمية كان عنوانه لافتا "ادارة الثقافة في مصر".اهمية الموضوع تنبع من كون المتحدث وزير الثقافة صاجب اطول تجربة في الوزارة على مدى تاريخها.. وايضا من التوقيت الذي يتحدث فيه او الظرف التاريخى وتصاعد الهم العام والخاص بالثقافة على وجه الخصوص وارتفاع الاصوات المطالبة باتخاذ خطوات جادة نحو الاصلاح الثقافي وضرورة ضبط خريطة مصر الثقافية وتحديد استراتيجتها في مواجهة التحديات الخطيرة التى تهدد ليس فقط الدولة الوطنية ولكن الشخصية المصرية ذاتها..
ولايخفى على احد تلك الدعوات والتوجهات نحو اعادة بناء وصياغة الشخصية المصرية وازالة الغبار الذي ران عليها في العقود الاخيرة بفعل عوامل عديدة تبنتها قوى معادية في الداخل والخارج واستغلت بخبث شديد المناخات التى كانت سائدة وسمحت بتسلل كل غريب وشاذ ومناقض ومناهض للقيم الاصيلة بما فيها الدينية والوطنية على السواء..
وما حالة الخواء الذي يضرب الساحة ويملؤها ضجيجا وجعجعة الا واحدة من تداعيات ترنح الشأن الثقافي واصابته بحالة من الضعف والهزال الشديد او البلادة انعكست ملامحها على كل شيء حتى في لغة الخطاب العام واختلاط الاوراق والحابل بالنابل وتطاول الاقزام وتصدرهم المشهد العام ولا تسمع الا اصوات معاول الهدم للقديم بلاجديد واصبحت حركة الوعي في اضطراب شديد الامر الذي ينذر بكارثة حقيقية اذا لم يتم تدارك الامر باصلاح حقيقي وجاد.
الفنان فاروق حسنى قال كلاما مهما عن تجربته في ادارة الثقافة في مصر على مدى 22 سنة قال أنه كان "حريصا على صناعة الاستثمار الثقافى فى الوزارة ا وتطوير النشاط والمنشآت والبنية التحتية من خلال مجموعة المشروعات الضخمة والمهرجانات والفعاليات الثقافية المهمة وأنه أنشأ صندوق التنمية الثقافية لتفعيل عملية الاستثمار الثقافى وتمويل المشروعات والنشاطات الثقافية".
قضايا مهمة وشائكة تثير الكثير من الهموم والشجون وتجعلنا نتساءل هل فعلا كان لدينا استراتيجية واضحة ومحددة المعالم تعمل مصر على تنفيذها؟ هل نجح الوزير في خلق صناعة ثقافية او ساعد في الاستثمار الثقافي كما قال ؟ ام ان المعاناة ازدادت وتدهور الوضع وتراجعت مصر على الخريطة الثقافية العربية والاسلامية وتقدمت مراكز اخرى وسحبت البساط اوحاولت ونجحت بدرجة ما وبشكل اثر على مكانة ومركز مصر؟
هل كان في مصر ادارة حقيقية للثقافة بمفهومها الشامل؟هل كانت مسئولية الوزارة وحدها ام ان هناك جهات اخرى مهمة ومؤثرة في الشان الثقافي كانت مشتركة معها او متعاونة او متضامنة ام ان الثقافة كانت عرجاء تسير بقدم واحدة اوكسيحة محلك سر.ام اكتفت بالانشطة والمهرجانات واعتبرتها تغنى عن اي شيء وكفى الله المؤمنين القتال.هل كان شركاء الثقافة في مصر متضامنون بحكم المسئولية الوزارية او الحكومية او حتى الوطنية ام انهم كانوا شركاء متشاكسون..كل طرف يمارس لعبة الاقصاء والنفي والاستبعاد للاخر ان لم يعلن عليه الحرب صراحة بلاهوادة وبالتالي ادخلوا المجتمع في حالة من الصراع المقيت وحولوه الى ساحة حرب جوفاء وضاع الوعي العام بين الاطراف المتنازعة واضطر الشباب تحديدا الى الهروب نحو ساحات كانت في انتظاره تلقفته وتبنته وقدمت له العسل بيد مفتوحة والسم في اليد الاخرى المضمومة ولم ينتبه احد الا بعد فوات الاوان او بعد ان سقطت الفاس في الراس؟!
هل يمكن ان نقول ان سنوات "حسنى"الرئيس والوزير نجحت في خلق تيار ثقافي مصري اصيل يخرج المثقف من حيرته اوحالة التوهان النى سقط فيها بين كثير من التيارات التى تلاعبت به وعصفت بعقله بين الشرق والغرب وانتهى به الامر الى حالة من الضياع بعد تبدل موازين القوى وسقوط الكثير من الاقنعة وجفاف ينابيع التمويل والتحريك والاستقطاب الى اليمين واليسار وفجاة وجد المثقف العربي والمسلم نفسه حائرا تائها يتيما معذبا على موائد اللئام! لا شرقي ولا غربي ولا اي شئ لا يعرف الى اين يسير بعد ان وجد نفسه في معركة كبرى تطحنه يصارع فيها طواحين موجات وحملات تجريده من كل شيء من اصوله وتاريخه وكل شيء حتى يكون مسخا بلا هوية..وجد نفسه غارقا في مرحلة هدم كل شيء والتخلص من قيمه وتراثه واصوله وكل ركائزه ومنطلقاته التاريخية والثقافية والدينية لا شيء ثابت لا شيء مقدس بالنسبة له فقط حتى وان رفع الاخرون رايات الاصولية والتاريخية والحفاظ على المقدسات واستدعاء خرافات وخزعبلات لما قبل التاريخ ووالعمل على احيائها والدفاع عنها والتعامل معها كالمقدسات تماما.
المثقف العربي عموما وجد نفسه غارقا في موجات متلاطمة لعمليات الخلخلة والزعزعة والتشكيك واهالة التراب على كل اصيل.وخرج من كل المعارك التى اقحموه فيها منهكا خائر القوى لم يقر له قرار فلا اصحاب التغريب والمتغربين انتصروا وكانت لهم الغلبة ولا اصحاب الاصالة حققوا فتحا مبينا فقد اثخنتهم الجراح وذاقوا الامرين في معركة البقاء ومقاومة الاقصاء والابعاد والتهميش على اضعف الايمان.وبقيت الساحة خاوية على عروشها ..وتوارت في ظل ذلك المعارك الادبية الحقيقية بين الكبار وحل محلها الان معارك "قلة الادب" بامتياز واقتدار واصبح اصحاب المعارك الاخيرة هم الاعلى صوتا والاكثر قربا وتصدرا للمشهد العام رغم حالة النفور والرفض بل والسخط والاشمئزاز.وللاسف وجد هؤلاء من يدعمهم تحت مسميات خادعة من حرية الراي والتعبير والفن للفن وغير ذلك من المسميات واللافتات اياها التى تعمل تحت رايتها قوى الضلال والتضليل والعبث بالعقول في الداخل والخارج.
لا شك ان الفنان فاروق جسنى حقق انجازات على صعيد الاثار وترميمها والمعارض وغيرها الا ان تيار بناء الوعي والاهتمام بصناعة الفكر وتشكيل الوعي كانت في الخلفية الغامقة او تاهت في خطوطه السريالية.
بالتاكيد لا يمكن ان نقارن بين ماحدث على مدى ربع قرن تقريبا بالاثر والبصمات التى تركها وزير ثقافة اخر لا يزال الجميع يتحدث عن انجازاته ومآثره واياديه البيضاء على العالم الثقافي وهو الاستاذ الدكتور ثروت عكاشة أول من تولى وزارة الثقافة فى أكتوبر 1958ومكث بها ما يقرب من سبع سنوات فقط على فترتين الاولى ثلاث سنوات من 58 وحتى 61 وعاد مرة أخرى عام 66 نائبا لرئيس الوزراء ووزيراً للثقافة وظل فى منصبه حتى عام 1970.
ما يجري على الساحة من تداعيات وما تسعى اليه مصر الحديثة والتحديات امامها يفرض قواعد جديدة لادارة ثقافة مصر بروح وثابة ومناهج اكثر عصرية وتطورا.
والله المستعان .