كلام بحب
** يحلم كل مسلم برحلة العمر.. يقضى سنوات فى الاستعداد لها من جميع النواحى نفسياً وبدنياً وروحانياً وبالطبع مادياً.. خاصة أن تكاليف الحج أصبحت تفوق استطاعة الكثيرين.. وبالأخص من لم يحالفهم الحظ فى الفوز بمكان فى قرعة وزارة الداخلية أو الجمعيات الخيرية.. لأنه بصراحة بعض شركات السياحة تغالى فى أسعارها بصورة كبيرة!!
للأسف.. العديد من الشركات لا تعى أن الحج هو الركن الخامس للإسلام ويقومون بتنظيم الحملات كأنهم ينظمون رحلة سياحية ترفيهية.. ويتعاملون بمنطق أنه »سلعة« وأن الحاج مجرد »زبون« يمكن خداعه. كما حدث من ضياع حلم 300 مواطن عادوا إلى مطار القاهرة منذ أيام بعد أن تبين فى مطارات السعودية أن التأشيرات التى يحملونها غير مخصصة لأداء مناسك الحج وإنها تمنح لمن يريد السياحة أو حضور الحفلات الترفيهية وحتى الآن لم يتم الإعلان عن الشركة أو ما تم اتخاذه ضدها من إجراءات عقابية لأنها أجهضت حلم هؤلاء الحجاج وأضاعت عليهم فرصة الحج التى ربما لا يمكنهم إدراكها فى العام القادم!!
لا ندرى لماذا التأخر فى التحقيق فى هذه المشكلة التى تتكرر كل عام من شركات لا تهتم سوى بتحقيق الأرباح واستنزاف الحجاج حتى آخر مليم.. بدلاً من التعامل معهم على انهم مسلمون ذاهبون لأداء شعيرة من أعظم الفرائض وانها تقدم خدمة.. وبالطبع لا نريد لأى شركة الخسارة، لكن فى نفس الوقت ألا تخدع المواطنين وتستنزف أموالهم!!
يظل المواطن يجمع تحويشة العمر فى سنوات لأداء الحج الذى تزداد تكاليفه عاماً بعد آخر.. وقد بلغت قيمة حج القرعة الذى تنظمه وزارة الداخلية هذا العام حوالى 71 ألف جنيه بخلاف المصاريف الشخصية وثمن ما يذبحه الحاج من الهدى وما سيحضره من هدايا لعائلته.. وهذا من المفترض - رغم تميزه - إنه أرخص أنواع الحج.. فكيف يمكن تدبير أكثر من 100 ألف جنيه وهو سعر أغلب شركات السياحة بل إن الشركات ذات الخمس نجوم تتخطى تكلفة الفرد الواحد فيها ربع مليون جنيه فمن الذى يستطيع تدبير هذه المبالغ.. وهل هناك حلول تساعد الناس على تحقيق حلم عمرهم؟!
صندوق الحج!!
** لماذا لا يتم التفكير فى إنشاء صندوق بعيداً عن موازنة الدولة وموارد الحكومة للتيسير على من يريدون أداء فريضة الحج خاصة من المواطنين ذوى الدخول المحدودة والبسطاء وكبار السن.. فإذا كان يتم دعم المواد البترولية والتموينية فهل هناك أفضل من تخفيف العبء عن حجاج بيت الله الحرام؟!
يضطر أغلب المواطنين إلى تأجيل حلم أداء الركن الخامس للإسلام أو التخلى عنه لعدم استطاعته أو انتظاراً إلى أن يأتيه الفرج.. وهناك دول إسلامية تدعم حجاجها من كبار السن من الجنسين الذين قد لا يسعفهم العمر لانتظار عام قادم.. وتقوم بتوفير قروض أو إعانات لهم لأداء المناسك.
فكرة إنشاء صندوق أهلى تشرف عليه وزارة التضامن أو لجنة خاصة تقوم على أساس فتح باب التبرعات من الأشخاص والشركات.. وممن يريدون عمل صدقة جارية.. وأخذ نسبة من الصناديق الموجودة بالمساجد ومساهمة شركات السياحة العاملة فى الحج والعمرة.. مع إمكانية فرض رسم لا يزيد عن جنيه عن كل مصحف من القرآن يتم طباعته وبيعه أو كل لبس إحرام يباع أو كل تذكرة طيران يتم بيعها فى موسمى الحج والعمرة.. ومن المفترض أن 100 قرش لن تكون كثيرة على من يدفعها لشراء مصحف أو إحرام أو تذكرة طيران وهذه المبالغ مع نسبة صناديق النذور الموجودة بالأوقاف والأزهر توفر عشرات الملايين كل عام.
من أهم أهداف الصندوق تعويض من تخدعهم الشركات أو يتعرضون للنصب نتيجة لتأشيرات مزورة.. ومساعدة من يصابون بسوء أو حوادث أثناء وجودهم فى أماكن المناسك.. وأيضاً هذا الصندوق الذى يمكن البحث عن أفكار أخرى لزيادة موارده.. يمكن عن طريقه فى البداية تثبيت أسعار رحلة الحج لبضع سنوات بدلاً من زيادتها كل عام حتى إن المرء كلما قام بإدخار مبلغ على أساس تكلفة العام الماضى فوجىء بزيادتها فيؤجل الرحلة وهكذا كل عام حتى يضيع عمره دون أن يحج.. كما يتم اختيار عدد محدد بالقرعة ممن لا يستطيعون الحج أبداً وتحمل النفقات عنهم أو المساهمة بنصف التكاليف.. وفى حال زيادة موارد الصندوق يمكن العمل على شراء مقار ثابتة فى الأراضى الحجازية بمكة والمدينة بدلاً من زيادة أسعار حجز أماكن إقامة ضيوف الرحمن سنوياً وهو الدور الذى كانت تقوم به »التكايا المصرية« التى تم هدمها فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى لإجراء التوسعات بالحرمين الشريفين ولم يعرف الشعب حتى الآن هل تم التعويض عنها أم ماذا حدث؟!
مشقة بقدر الثواب!!
** ساعات ويهل هلال ذو الحجة.. ويكتمل توافد ضيوف الرحمن الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى ليلبوا النداء هذا العام.. يطوفون بعشرات الألوف يومياً حول الكعبة.. ويسعون بين الصفا والمروة.. وينتظرون باقى الحجاج الذين يأتون من كل فج عميق.. ليبدأوا فى يوم »التروية« الذهاب إلى منى ليبيتوا بها.. ثم التصعيد ليقف أكثر من ٣ ملايين حاج بعرفة فى خير يوم طلعت فيه الشمس ويباهى الله بعباده الذين أتوه »شُعثاً غُبراً.. ويشهد الملائكة أنه غفر لهؤلاء الذين تركوا أهلهم وديارهم ودنياهم وارتدوا ملابس الإحرام التى تشبه الأكفان متخلين عن كل ترف وزينة الحياة طلباً لغفران الخالق ورحمته فكيف يردهم »صفر اليدين خائبين«؟!
تبدأ النفرة إلى المزدلفة مع غروب الشمس ويتم جمع الجمرات وأداء صلاتى المغرب والعشاء والدعاء عند المشعر الحرام.. وللأمانة فإن أغلب الحجاج يعانون بشدة عند النزول من عرفات وهناك من لا تتوقف بهم الأتوبيسات من شدة الزحام أو لعدم معرفة السائقين لخطوط السير فيضيع عليهم جمع الجمرات، لكن فى النهاية تكتمل فرحتهم بوصولهم إلى منى صباح عيد الأضحى ورمى جمرة العقبة ومنهم من يذهب لطواف الإفاضة وحلق الشعر وتقصيره وذبح الهدى والتحلل خلال أيام التشريق »يومان لمن تعجل وثلاثة لمن تأخر« لتنتهى المناسبك وتبدأ رحلة العودة للوطن أو الذهاب للمدينة المنورة وزيارة مسجد وقبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكن الحاج قد قام بالزيارة قبل أداء مناسك الحج.
رغم كل الجهود التى تبذلها وزارة الداخلية وبعثة الحج الرسمية وكل التسهيلات التى تقدمها السلطات السعودية فخلال الرحلة يتعرض الحجاج لمعاناة.. وهناك من يزيدون مشقتهم سواء من منظمى الرحلات أو من بعض المطوفين الذين لا يراعون الله خاصة فى تنظيم المخيمات بمنى وعرفات وكذلك من سائقى الأجرة أو أصحاب السيارات!
يحتاج الحج إلى تغيير فكر وثقافة التعامل مع الحجاج ومعرفة أن رعايتهم شرف وأن التخفيف عنهم رسالة سامية أجرها كبير.. نعم إنه شرف لأى دولة أن يذهب حجاجها إلى الأراضى المقدسة.. وشرف أكبر للسعودية أن ترعاهم وتكرم وفادتهم.. ولذلك على الجميع أن يجتهدوا للتيسير عليهم لأنهم ضيوف الرحمن.
وعلى الحجاج أنفسهم أن يعلموا أنهم لا يذهبون إلى نزهة.. وأن »الحج مشقة« وكلما زادت يكون الثواب.. وليتذكروا أنه قبل أقل من قرن كان الناس تضرب أكباد الإبل شهراً أو شهرين للوصول إلى الأراضى الحجازية بينما الآن المسافة بالطائرة لا تستغرق ٣ ساعات.. فالأمر أصبح هيناً، لذلك عليهم ترك الخلاف والجدال والتركيز فى أداء المناسك والالتزام بأخلاق الإسلام وبتعليمات المنظمين.. فقد لا تتوفر لهم فرصة العودة مرة أخرى.. وعليهم الصبر والتحمل.. فجائزتهم أن يعودوا بلا ذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم.. وفى سبيل ذلك فإن كل مشقة تهون وبالتأكيد فلن يتذكر أحدهم كل ما واجهه من صعاب ومعاناة عندما يستقبله الأهل والأحباب ويقولون له »حج مبرور وذنب مغفور بإذن الله«؟!