رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:



اشتعلت النيران فى موتور السيارة "الفان" الصغيرة وسط الطريق نتيجة ارتفاع درجة الحرارة فقفز منها السائق هاربا، وبسرعة فائقة تجمع العشرات من أصحاب السيارات على الطريق كل يحمل طفاية سيارته ويفرغها داخل السيارة المشتعلة للمساعدة فى إطفائها، وظلوا يحاصرون النيران التى امتدت الى خزان الوقود وفجرته أكثر من نصف ساعة حتى تم إطفاؤها.. ثم انصرفوا فى هدوء وربما يكون البعض قد تأخر عن عمله أو المهمة التى خرج من أجلها بسبب هذا السلوك الإيجابى.. فضلا عن الخسائر التى لحقت بهم من تفريغ طفايات الحريق الخاصة بسياراتهم.


هذا مشهد بسيط يجسد شهامة المصريين وتضحياتهم التى تحمل قصصا نادرة تؤكد إنسانية وبطولات أبناء هذا الوطن فى المواقف الصعبة، فكم من غريق حاول أحد المارة إنقاذه فيموت هو وينجو الغريق، وكم من شاب ضحى بحياته من أجل إنقاذ فتاه من أيدى مجرمين.. وهذه المواقف وغيرها تؤكد أن الشهامة "جين" فى دماء المصريين، وأن المواقف السلبية غريبة على أبناء هذا الوطن.. وهذه الشهامة امتدت الى دول العالم، وقد تم تكريم مصريين كثر بسبب مواقف بطولية سجلوها فى البلاد التى يعيشون فيها.


هذه المواقف الإيجابية ينبغى أن تتجسد فى سلوكياتنا جميعا، وينبغى أن تستنسخ لتصل الى بعض السلبيين الذين لا يكترثون بالقوانين والضوابط الأخلاقية فى التعامل مع الطريق العام، فيلقون المخلفات فى الشوارع والميادين، ولا يكترثون بخطورة ما يفعلون على الصورة الحضارية للوطن.


***
فى منطقة الهرم بالجيزة شاهدت عربة كارو تلقى بالمخلفات فى شارع مهم وحيوى فتوقفت بسيارتى وحاولت منع صاحبها الفوضوى من استكمال جريمته فحاول التشاجر معى ليغطى على فعلته النكراء فتجمع المارة ولقنوه درسا قاسيا كان فى أمس الحاجة إليه حتى لا يكرر ما فعل.


والسؤال المهم هنا: لماذا لا نتحرك جميعا ونتسلح بالإيجابية لكى نحمى بلادنا من هؤلاء الفوضويين الذين يعبثون بالشوارع والميادين والمجارى المائية ويلقون بالقمامة والمخلفات بها؟ لماذا يقف البعض متفرجا وهو يرى سلوكيات شاذة وغريبة من هؤلاء الذين لم يتربوا على النظام واحترام القوانين ويفسدون ما تصلحه الدولة من مرافق وخدمات وما تقوم به من جهود لتنظيف الشوارع وتجميلها ووضع لمسات حضارية عليها؟


السلوك السلبى غريب علينا، وينبغى مضاعفة جهود التوعية بأهمية الدور الشعبى فى مواجهة الفوضويين الذين يشوهون الوجه الحضارى لمصر.. فالدولة لن تستطيع تعيين مراقب فى كل شارع وحارة، كما لا تستطيع وحدها مواجهة عبث العابثين هنا وهناك.


***
منذ أيام شاهدت رجلا مسنا ينحنى ليلتقط علبة "كنز" فارغة من الطريق ويسير بها الى صندوق القمامة ليضعها فيه ثم ينصرف.. سلوك هذا الرجل العجوز ينبغى أن يكون درسا لبعض شبابنا المستهتر الذى لا يعبأ ولا يكترث بإلقاء المخلفات فى الشوارع.


التحضر تربية وسلوك قبل أن يكون منشآت ضخمة وتكنولوجيا عصرية، ولذلك ينبغى أن تهتم مدارسنا بتربية أطفالنا منذ الصغر على السلوك الحضارى، وأن تكون هناك مقررات دراسية تربوية يتم الاستعانة فيها بمعلمين يدربون الأطفال على السلوك المتحضر فى كل المواقف، ويخرجون بهم الى الشوارع والميادين للمساهمة فى تنظيفها وتجميلها.


لقد سعدنا جميعا بالمشاهد التى نقلت إلينا للجماهير المصرية التى تجمعت فى استاد القاهرة لمشاهدة بعض مباريات كرة القدم فى البطولة الأفريقية وهم ينظفون المدرجات قبل مغادرتهم الاستاد، فهذا السلوك الراقى المتحضر ينبغى أن يكون هو السائد فى كل مكان يتجمع فيه الأطفال والشباب فى مصر.


**
مصر بلد الحضارة والرقى ينبغى أن تظل مصدرا لكل سلوك راق، وكل تصرف متحضر.. السياح الذين يأتون إلينا من كل دول العالم للاستمتاع بما حبانا الله به من معالم سياحية نادرة وأجواء مناخية لا يوجد مثلها فى أية دولة فى العالم يشيدون بشهامة أبناء مصر الذين يلتقون بهم فى كل مكان.. وعلينا أن نضاعف من السلوكيات الراقية التى تجسد عظمة مصر أرضا وشعبا، ولذلك ينبغى العناية الشديدة باختيار الشباب الذى يتعامل مع السياح فى الفنادق والشواطىء والأماكن الأثرية التى يرتادونها، حتى ننقل الصورة الصحيحة لأخلاق المصريين وشهامتهم وكرمهم فى التعامل مع ضيوفهم.


مصر ليست بلد الأهرامات والآثار النادرة والشواطىء الجميلة فحسب.. لكن مصر بلد الأزهر والمؤسسات الثقافية الكبرى والجامعات العريقة التى خرجت أجيالا من العلماء والمفكرين والباحثين الذين ينتشرون فى كل بقاع العالم وساهموا فى نهضة وتقدم العديد من الدول الغربية، ومن يأتى الى مصر ينبغى أن يخرج بانطباعات جيدة عن رقى وتحضر وعظمة هذا الشعب الذى أبهر العالم بعطائه العلمى والثقافى والحضارى.


ما تقوم به الدولة الآن من مشروعات سياحية كبرى سوف يضاعف حتما من تدفق السياح على مصر من كافة دول العالم، وواجبنا الآن أن نعد الكوادر التى ستقوم بإدارة هذه الأماكن والتعامل مع سياح من كل دول العالم يحملون ثقافات مختلفة ولهم هوايات متعددة، وقد خضنا تجربة جيدة مع ضيوف مصر الذين وفدوا من مختلف دول العالم لمشاهدة منتخبات بلادهم فى البطولة الأفريقية التى أبهرت العالم كله بحسن التنظيم والإدارة وأكد الخبراء فى عالم المهرجانات الكروية أن مصر بحسن التنظيم فى هذه البطولة تحديدا قد ألقت بعبء كبير على الدول التى ستنظم البطولة مستقبلا.


نفتخر دائما بمصر الرائدة والمتحضرة والجميلة.. مصر العلم والفكر والثقافة والتحضر والرقى السلوكى والأخلاقى.. وهذا يفرض علينا مواجهة كل سلوك لا يجسد عظمة ومكانة هذا الوطن.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة