رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كلام بحب

•• ليس غريباً.. ان تتعرض ثورة 23 يوليو لهجوم من أحفاد الاقطاعيين الذين كانوا يمتلكون الأراضى الزراعية بآلاف الأفدنة.. أو من أبناء «الباشوات» الذين كانوا يستحوذون على الثروة والنفوذ قبل التأميم.. فتلك طبيعة بشرية.. فهم يدافعون عن مصالحهم وينتقدون من حرمهم من أموالهم ومصدر قوتهم!!


الغريب حقاً.. ان الفلاحين والعمال الذين تعرضوا للظلم والقهر قبل عام 1952تجد بعض من يتحسر على مجتمع النصف فى المائة الذى لو عاشوا خلاله لما أتيحت لهم فرصة للتعليم والكلام والتعبير عن استيائهم من الثورة ولم يكونوا يحتلون المناصب التى كانت حكرا على من يتمنون عودتهم الآن؟!


بالطبع كان هناك من العائلة المالكة من أحبهم الشعب.. ومن بين الأغنياء والأمراء و»الباشاوات» من لهم مواقف وطنية وساهموا بعطائهم وأموالهم فى العديد من الأعمال الخيرية والاسهامات الاقتصادية.


وهؤلاء سيظل التاريخ يذكر لهم مواقفهم ولكننا نتحدث عن مجتمع متكامل كان فيه أبناء البلد الحقيقيون لا يمتلكون شيئا ولا يعترف ربما بوجودهم!!


نعم.. ينبهر الكثير من المثقفين بما يشاهدونه من مناظر فى المسلسلات والأفلام التى تعرض حياة القصور والعزب والسرايات.. وذلك المجتمع المخملى الذى يجعلك تلعن الواقع وتحلم بأيام كانت فى الحقيقة أشد سواداً من هذا الواقع لو عاشوها وضربتهم سياط الباشا» الذى يعملون فى عزبته!!


لا يوجد تزوير أو تشويه للحقائق وللتاريخ أكبر من أن تخدع الناس.. وتتلاعب بمشاعرهم وطموحاتهم.. مع ان الحقائق واضحة كالشمس وكل الوقائع تؤكد ان مصر كانت محتلة بعد ثورة عرابى التى سماها الشعب ثورة الفلاحين وانه منذ عام 1882 كانت السفارة الإنجليزية تحكم البلاد خاصة فى سنوات الحربين العالميتين الأولى والثانية.. وان المندوب السامى البريطانى كان يعين رؤساء الوزارات.. بل انه يقوم بعزل حاكم مصر إذا لم يرضخ ويسمع الكلام خرج عن «النص» كما حدث مثلا مع إسماعيل وعباس حلمي.. وهل يمكن لهؤلاء السادة أن ينسوا حادث 4 فبراير 1942 حينما جاءت الدبابات الإنجليزية بحكومة علي غير رغبة الملك؟!


كانت القاهرة بحق عاصمة نظيفة أكثر من باريس ولم يكن هناك زحام.. ولكن هل كانت الأخلاق مثل الآن.. وكنا 20 مليونا ولم نكن 100 مليون.. وصحيح كانت هناك سرايات وقصور وعزب وأبعديات ولكن لمن؟!.. وربما كانت هناك حياة نيابية.. ولكن بخلاف المجلس الأول بعد دستور 23 بقيادة سعد زغلول.. فمن الذين كانوا يمثلون الشعب هل دخل البرلمان فلاح حقيقى أو عامل عادى أو حتى موظف صغير أم كانوا جميعهم من «البهاوات والباشاوات» وكبار الملاك من أبناء الذوات والعائلات المعدودة على أصابع اليدين ومحجوزة لهم الدوائر الانتخابية ولأبنائهم من بعدهم؟!


ثقوب سوداء .. فى ثورة بيضاء !!
•• ربما لم تتعرض ثورة فى العالم لمثل الهجوم الشرس من الداخل والخارج الذى تعرضت له ثورة يوليو التى قال عنها الضباط الأحرار فى البداية انها حركة مباركة ويصر البعض على انها مجرد حركة قام بها مجموعة ضباط.


ببساطة.. فان الثورة فى العلوم السياسية المعاصرة تعنى التغيير الكامل لكل مؤسسات الدولة وسلطة الحكومة فى نظام سابق لتحقيق طموحات الشعب «أو من يقومون بها» واستبدال هذا الواقع بآخر يوفر العدالة والنزاهة ويؤدى إلى زيادة الحريات ويحصل كل فرد على حقه بهدف نهضة المجتمع!!


بهذا التعريف البسيط.. يمكن الحكم على ثورة يوليو فقد بدلت تماما نظام الحكم من ملكى إلى جمهورى وطردت المحتل بعد 74 عاما من التحكم فى البلاد ونهب ثرواتها.. ونال أبناء الشعب حقوقهم على الأقل فى الحياة الكريمة دون سخرة.. وأتيح التعليم للجميع وجعل الفلاح على أرض يمتلكها ويزرعها ودخل العامل مجلس الإدارة.. وتبدلت الحياة الاجتماعية والسياسية تماما.. وبنيت المدارس والمصانع وزادت الجامعات وتأسست الشركات وتأممت القناة وبنى السد العالي.. وأصبح فى كل قرية وحدة صحية.. باختصار تغير وجه الحياة فى بر مصر المحروسة.. بل انها قادت حركات التحرر فى العالم الثالث وأصبحت القاهرة الحضن الدافئ لثوار أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.


بالطبع.. لكل ثورة ايجابياتها وسلبياتها.. ولكن المنصف من المؤرخين يذكر ان ما جناه الشعب «خاصة الطبقات البسيطة» من مكاسب فى مختلف القطاعات الإنتاجية وفى الحياة الاجتماعية يفوق الخسائر رغم فداحتها.. خاصة وان السلبيات لم تبدأ سوى بعد 10 سنوات من الثورة كانت معظمها إنجازات بدليل ان الخطة الخمسية الأولى التى بدأت من 57 إلي 1962 كانت الأنجح على مستوى العالم وعندما ذهبنا إلى كوريا الجنوبية قالوا إنهم تعلموا منها ومازالوا يسيرون على خطاها.. وكذلك اليابان أرسلت بعثات لتدرسها.. ويمكن اعتبار «حرب اليمن» بداية لتأريخ معظم مساوئ ثورة يوليو فقد كانت مقدمة للانشقاق العربي.. وتداعياتها أدى إلى وقوع هزيمة يونيو 1967 التى كانت بداية لأكبر المآخذ على الثورة ونظامها .


هزيمة 5 يونيو أدت إلى توجيه معظم الموارد للمجهود الحربى وإعادة بناء القوات المسلحة وهو ما أدى إلى حرب الاستنزاف والانتصار فى حرب أكتوبر والعبور العظيم.. ولكنها ظلت نقطة سوداء فى تاريخ الثورة خاصة وقد ارتبطت بتجاهل الرأى الآخر بحجة انه لا صوت يعلو على صوت المعركة!!


كانت فى بدايتها ثورة بيضاء لم تراق فيها الدماء مثلما حدث فى الثورة الفرنسية.. لكنها لم تكن ثورة خالية من السلبيات.. كما لم يكن جمال عبدالناصر ملاكا كما يصوره أنصاره.. وبالطبع لم يكن شيطانا كما يقول من يهاجمونه.. فهو بشر له وعليه.. لكن حتى أشد الأعداء يعترفون بآنه زعيم وطنى مخلص غير وجه بلاده وقارته وساهم فى اشعال حركات التحرر فى العالم!!


عندما نحاسب ثورة يوليو بعد 67 عاما.. علينا أن نقيم أحداثها وإنجازاتها واخفاقاتها وما يؤخذ عليها وفقا لزمانها وتأثيرها فى الشعب المصرى ودول المنطقة ثم طبيعة العالم وقتها والحرب الباردة بين الشرق والغرب.. ولا ننسى وجود العدو الإسرائيلى والوقوف مع نضال الشعب الفلسطيني.. الأهم لولا الشعب وتضحياته لما نجحت الثورة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة