رسالة من القلب
عندما نتحدث عن إعلام مصر ورجاله في الزمن الجميل نتذكر رموزه ورواده من البنائين الأوائل خاصة مع دخول البث التليفزيوني لمصر في ستينيات القرن الماضي.. وساهموا في تأثيث قوتنا الناعمة مصرياً وعربياً وأفريقياً وإسلامياً وكان أحد أذرعها التليفزيون.. وكيف وصلوا إلي العالمية وسط تحديات ما بعد الحرب العالمية الثانية وحرب تأمين القناة.
كل هذا تذكرته ونحن في مقابر الإعلاميين بمدينة السادس من أكتوبر في وداع الرجل الذي عمل مع أكثر من 18 وزيرا للإعلام والثقافة والارشاد القومي عبدالمنصف يوسف بعيداً عن الألقاب من ثروت عكاشة ومروراً بعبدالقادر حاتم وأمين هويدي ومحمد حسن الزيات ويوسف السباعي ومحمد أبوالسعود والدكتور جمال العطيفي وعبدالمنعم الصاوي وعلي قنديل ومحمد حسنين هيكل ومنصور حسن وفؤاد محيي الدين وصفوت الشريف وممدوح البلتاجي وأنس الفقي ودرية شرف الدين وغيرهم في فترات مهمة من رئاسة ناصر والسادات ومبارك واستمر لفترة قريبة في العمل يعطي للوطن فكان من ذلك العصاميين الوطنيين الذين وضعوا مصر أولاً في عيونهم وانتماء الوطن هو رسالة للشباب.. ولدت قريبا منه في قرية واحدة كان مثلا في شبابه للرجل المجتهد والمحب لوطنه دون "غوغائية" والهادئ الرزين دون حسم للأمور.. كان نقيا كنقاء أهلنا الأوائل في الريف ناصحاً للتعليم ومعلما لأبناء جيلي.. وصل إلي منصب وكيل أول الوزارة للتخطيط والمتابعة في فترة حية من فترات التليفزيون المصري واطلاق الأقمار الصناعية ودخول مصر عصر الفضائيات.
ونحن أمام المقبرة وجدت الرجل المتواضع الذي عمل مع أهم وزراء إعلام في مصر اكتظ مسجد الحصري بالمصلين عليه من تلاميذه من كل ألوان الطيف في مصر والتليفزيون فلاحين وعمال وإعلاميين ومذيعين ورجال أعمال وإعلام بكل الوسائل وأبناء قريته من ميت عفيف بالباجور.
.. وبينما تغلق المقبرة تذكرت وأنا أقف أمام الجمع الذي زحف وراءه لوداعه ان الرجل العصامي الشريف العفيف اللسان "المهم" في ماسبيرو لم يختلف عليه أي من الوزراء الذين عمل بالقرب منهم لاخلاصه وحبه للرسالة الإعلامية التي كان مهتما بها.
تذكرت المرات الكثيرة التي كان يزور فيها قريته الصغيرة علي ضفاف النيل كيف كان مجلسه يتحول إلي حوار ودرس في الوطنية المصرية والخطاب الديني المستنير الذي يجب أن يسير عليه إخواننا في الريف والمدينة.
كان من النماذج الاجتماعية التي تشارك أهلها في أطراحهم وأفراحهم لا يفوته واجب اجتماعي أو زيارة مريض أو إصلاح ذات البين بين المتخاصمين.
.. أكثر من مرة كنت ارافقه أثناء العودة من القرية التي نقطن بها إلي القاهرة ما سر التوافق بينك وبين هذا العدد الكبير في ماسبيرو فقال لي أعمل لصالح الوطن ولا أبحث عن مصالح ذاتية وعندما يكون سجلك شريفاً سوف يحتاجك أي مسئول قيادي أما الارتباط المصلحي فينتهي مع انتهاء المصلحة قلت له أنت المسئول القيادي الأشهر في بلدنا الذي ارتبط بالفلاحين كثيراً فقال لي هؤلاء أهلنا وعلينا أن نعيش وسطهم نتعايش معهم هذا واجب يمليه علينا ضميرنا وقد وصيت أبنائي محمد وعماد ومحمود.. وهم بالمناسبة من القيادات الإعلامية في ام.بي.سي وقناة النيل والتليفزيون المصري.. لم يعيشوا في جلباب والدهم لأنه كان مؤمنا بأن الواسطة قد تضعك في مكان ما لكن لا يمكن ان تصنع تفوقك وهذه الرسالة حملتها منه وعاشت معي منذ التحاقي بـ"الجمهورية" وبعدها الشرق الأوسط مع "الجمهورية" في الخارج وكانت نصيحته لي هي من قادتني للعبور في بلاط الجلالة بأمان منذ انخراطي في الحياة الطلابية في السبعينيات إلي اليوم.. وعزائي لزوجته التي تحملت كثيراً غيابه في مهامه عن المنزل وساهمت باقتدار في رعاية ثلاثة من الإعلاميين أصغرهم محمود يوسف مدير إدارة البرامج الاقتصادية بتليفزيون مصر.. رحمه الله مواطناً عصامياً شريفاً كان يحمل رسالة وطنية هي حب مصر والانتماء إليها.. وواجه كل الحملات التي كانت تهدف هدم الوطن بحب مصر.. رحمه الله واليوم بقدر عطائه أرسل باقة ورد علي قبره داعياً الله له بالمغفرة والرحمة.