رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

إسعاد المصريين واجب علي منتخبنا

* عجيب أمر عالمنا العربي والإسلامي.. فبينما يقف العالم علي قدم وساق مترقبا ما سوف ينجم عنه التصعيد الدائر الآن بين إدارة ترامب والنظام الإيراني من جهة والقرارات الرعناء والمباغتة للرئيس الأمريكي الذي لا يتواقف عن ادهاش العالم وإحداث الصدمة بإجراءاته وسياساته التي تبدو في ظاهرها هوجاء بينما هي للمراقب المتأمل مدروسة بعناية فائقة وفق رؤية استراتيجية جري الإعداد لها علي مدي سنين طويلة.. بينما يحدث هذا كله ننشغل نحن بخلافات وصراعات عربية بينية لا طائل منها.
ترامب لا يكاد يسحب العالم كله إلي حافة الهاوية تارة عبر الوعيد والتهديد بحرب وشيكة تدفع إليها وتغذيها أطراف بعينها ضد إيران خصوصا بعد استهداف ناقلات نفط في خليج عدن ومطارات عربية وهو أمر جلل وغير مسبوق يهدد أمن العالم وسلامه. هذا التصعيد تقف وراءه أطراف بعينها رغبة في تحقيق مزيد من المكاسب علي حساب أمتنا التي تمر بأسوأ حالاتها من ضعف وتفكك وتراجع للنظام العربي المتداعي بخلافاته وانقساماته التي لا تنتهي.. لا يكاد ترامب يشعل فتيل التوتر حتي يعيدنا إلي نقطة الصفر بالدعوة إلي التفاوض مع نظام الملالي في مسرحية هزلية لا تكاد تنطلي علي أصغر دارسي العلوم السياسية.. يحدث كل ذلك بسبب خلافاتنا وصراعاتنا البينية الناتجة عن تطلع أطراف بعينها إلي القفز علي الدور والمكانة الاستراتيجية للقوي التقليدية في النظام الاقليمي العربي. ناهيك عما نراه من مشاهد عنف ودمار وخراب ودماء وانقسامات مستمرة ناتجة عن سياسات خرقاء لدول بعينها وعدم أخذنا بأسباب الحيطة والحذر حتي كادت تلك الخلافات تأكل الأخضر واليابس بلا هوادة. ذلك أن البعض يصر علي توظيف الكيانات الإرهابية التي توحشت بفضل مباركة خارجية وتمويل ودعم مخابراتي لا يتوقف لاستنزاف مواردنا تنفيذاً لمخطط خبيث جري الإعداد له منذ فترة ويجري اليوم تنفيذه بحذافيره علي الأرض بكل أسف.
ورغم كل هذا الوبال فلم يسأل أحدنا نفسه: لماذا دولنا العربية والإسلامية هي دون غيرها المستهدفة بمثل هذا العبث؟.. ولما لا يجري الإعلان صراحة عن الدول الراعية للإرهاب وأجهزة المخابرات الممولة لداعش أو جبهة النصرة أو فلول القاعدة؟.. ما أهدافهم من هذا الدعم؟.. ومتي ينقلب السحر علي الساحر وتدور الدائرة علي الباغي؟.. ولماذا الإصرار علي حجب هذه الأمور المهمة والخطيرة عن الرأي العام العالمي الذي آن له أن يعرف ويدين ويعاقب من أجرموا في حق الانسانية ثم يلصقون جرائمهم بالعرب والمسلمين ويشوهون صورة الدين الحنيف البرئ تماما من الدواعش وأقرانهم هنا وهناك الذين يقدمون أوطانهم لقمة سائغة للآخر المتربص بها حتي يكيل لها الاتهامات تلو الأخري ويشوه صورتها وتاريخها وحضارتها التي أخرجت أوروبا يوما من عتمة العصور الوسطي إلي نور الحضارة الحديثة التي يتباهي بها الغرب علينا؟.
هل تدرك شعوبنا كم تقترف تنظيمات الإرهاب المنبثقة من رحم الإخوان من آثام وموبقات شوهت بل أضعفت ديننا الحنيف أمام الأخر الذي يتلقف بكل أسف كل ما تبثه الميديا العالمية بقبول تام دون تمحيص ولا تثبت نظرا لغياب الرأي الآخر أو الوجوه الأخري من الحقائق التي يجري طمسها والتدليس عليها مع سبق الإصرار والترصد منذ تفجيرات سبتمبر التي ضربت برج التجارة العالمي في أمريكا ومن يومها ويذوق عالمنا الأمرّين بفعل فاعل دون ذنب منه ولا جريرة ولا تزال أرض العرب مستباحة ومستقبلهم في خطر.. تلك التنظيمات الإرهابية بما ارتكبته من جرائم شنعاء وما استحدثته من مسميات وتصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان جعلت أمتنا العربية لقمة سائغة في أفواه أمريكا والغرب ومن ورائهم إسرائيل المستفيد الأكبر مما جري ولا يزال في منطقتنا المنكوبة بتمزيق أواصر شعوبها وهدم أركان دولها.. فمن وراء إطلاق وصف هذا "إخواني" وذاك سلفي وذلك شيعي أو علوي أو درزي أو كردي أو تركماني حتي تلاشت أواصر عروبتنا ومقومات المواطنة الجامعة لشملنا. الرابطة لأواصر القربي والجذور التاريخية المشتركة؟.
من الذي تسبب في هذا التصدع الهائل في بنيان النظام العربي منذ البداية بافتعال حرب الخليج الأولي واحتلال أمريكا لأرض الرافدين مروراً بما عرف بـ"ثورات الربيع العربي" وانتهاء باشعال فتيل الأزمة في الخليج.. من تسبب في نكسات العرب ونكباتهم المتوالية وضياع قضيتهم المركزية "فلسطين" وصولاً إلي ذلك المشهد المخزي الذي نراه رأي العين كابوساً يصدمنا بصراعات عربية- عربية ونزاعات داخلية بين أركان ومكونات الدول الواحدة بين مواطنيها بعضهم بعضاً أو بين الدول بعضها بعضاً سواء علي الحدود المشتركة بينها التي خطها الاستعمار بيديه لتظل شوكة في خاصرة أمتنا ومانعا لتكاملها واتحادها أو نزاعاً علي الدور والمكانة.. ولم يعد مدهشاً ما نراه من تداع محزن لدول كانت حتي وقت قريب ملء السمع والبصر ثم انهارت أعمدتها وانفرط عقدها وتفككت جيوشها ولم يصمد إلا مصر حماها الله رغم قسوة ما تعرضت له من ظروف بفضل شعبها الواعي وجيشها الوطني المتماسك.. وستظل عصية علي التآمر من أعدائها في الداخل والخارج.
فمصر وأهلها في رباط إلي يوم الدين بفضل الله الذي يربط بين قلوبهم بحبل متين من الحب والانتماء الفطري لهذا البلد.. فقد حباها بجيش قوي صامد وشعب مؤازر داعم لقيادته.. وهي بفضل هذا النسيج المتماسك قادرة إن شاء الله علي مواجهة التحديات والمؤامرات مهما تكن وطأتها.
الجماهير المصرية محبة لبلدها وسوف تساند منتخبها الوطني في منافسات بطولة أمم أفريقيا التي ستنطلق إن شاء الله غداً وتستمر حتي 19 يوليو المقبل في نسختها الـ32 التي تفصلها 62 سنة عن أول بطولة أفريقية جري تنظيمها علي أرض السودان الشقيق.
لقد استعدت الدولة تماماً لاستقبال هذا الحدث الرياضي الكبير من جميع النواحي لإخراجه بصورة تليق باسم مصر ومكانتها ودورها الحضاري العريق.. ويحدونا أمل كبير أن يحقق منتخبنا القومي الفوز بكأس البطولة القارية الكبري التي حازتها مصر من قبل 7 مرات.. فما أحوجنا للفرحة.. وما أبلغ زيارة الرئيس السيسي للاعبي منتخبنا وجهازهم الفني والإداري أثناء معسكرهم التدريبي فهي رسالة تحفيز وتشجيع وتأكيد بالغ الأهمية علي مدي اهتمام القيادة السياسية وحرصها علي إنجاح البطولة التي نجحت مصر بالفعل في استضافتها رغم ظروفنا الصعبة وتوفير مناخ ملائم للخروج بها إلي بر الأمان وهي رسالة في الوقت ذاته علي عودة أفريقيا إلي حضن مصر القادرة علي قهر التحدي. مصر المستقرة الآمنة التي تفتح ذراعيها لكل من يلجأ إليها أو يطأ أرضها.
رسالة الرئيس للاعبين كانت حاسمة وواضحة: "إن أهم من اللعب هو المحافظة علي القيم والمبادئ. وأن نقدم أنفسنا للعالم بصورة ممتازة. فالمباريات تنتهي ويبقي الانطباع الطيب عن قدرة الدولة المضيفة علي التنظيم الجيد والحشد وسلوك اللاعبين والجمهور في المدرجات.. وقد تمني الرئيس لمنتخبنا الفوز بالبطولة وإسعاد المصريين".
الساحرة المستديرة فوق أنها صانعة للسعادة للجماهير العريضة التي تتابعها بشغف مثلما يحدث مع مباريات كأس العالم والمونديال الأفريقي والبطولات القارية الأخري.. فقد صارت أيضا قبلة للاستثمارات تحقق عوائد ضخمة يعود نفعها علي اللاعبين والأندية والاتحادات والشركات الراعية والدول المضيفة للبطولات.
ففي كرة القدم تنافس شريف تحكمه قواعد شفافة ملزمة للجميع ومن ثم فقد باتت مبارياتها بهجة حقيقية لشعوب الأرض كافة.. ولننظر إلي شعب مصر الذي فرقته أحداث السياسة ووحدته كرة القدم سواء خلف أندية بلاده أو منتخبها القومي الذي صعد لنهائيات كأس العالم بعد غياب استمر 28 عاماً.
ولا عجب والحال هكذا أن تفرض الساحرة المستديرة نفسها كمشروع قومي يلتف حوله الجميع وهو ما يدعونا للتساؤل: لماذا لا تسري أمور حياتنا كلها بسلاسة كرة القدم وشفافيتها.. لماذا لا نختار الإدارة السليمة والفريق المعاون بنفس طريقة كرة القدم.. أليست تعاسة الانسانية مرجعها لغياب العدالة واتخاذ القانون مطية لأغراض خاصة أو تغييبه عمداً في حياتنا. يستوي في ذلك مجتمع الأفراد ومجتمع الدول وهذا هو سبب الفشل في عدم تحقيق قيم العدل والحق والجمال وتفشي ظواهر العنف والكراهية والتعصب والانتقام وشيوع منطق القوة الغاشمة أو قانون القوة لا قوة القانون.. فكيف تتحكم خمس دول كبري في مصائر العالم بسطوة مجلس الأمن.. كيف تصبح خصماً وحكماً في الوقت ذاته.. وبدلاً من أن يكون مجلس الأمن هذا ميزانا للحق والعدالة والمساواة بين الدول صغيرها وكبيرها صار وسيلة لإدارة الصراعات وتكريس النفوذ وتصفية الحسابات ومنح الامتيازات لدول وحجب الحقوق عن أخري الأمر الذي يطعن في مصداقيته ويفقد الأمم المتحدة هيبتها.. فمن ذا الذي يمكنه جعل مجلس الأمن قوة دولية لإقرار المساواة ونشر العدل دون أن يكون لأحد حق الفيتو الذي يعطل تطبيق القانون علي الجميع بعدالة وإنصاف.. لماذا يتجاهل مجلس الأمن فضح الدول الراعية للإرهاب سعياً لتمزيق العالم العربي وتقسيم دوله علي أسس عرقية أو مذهبية تقود في النهاية لحروب أهلية تضيع بسببها دول ولا يمكن تبرئة دول بعينها مثل قطر وتركيا وأمريكا وبريطانيا وهي الدول التي تورطت في تنفيذ مخطط شيطاني مشبوه لتدمير دول عربية لولا 30 يونيو لكانت مصر في عداد تلك الدول الممزقة.
ورأيي أن المنظومة الدولية لن تنصلح إلا بتوسيع عضوية مجلس الأمن وكسر احتكار القوة.. كما لن تنصلح أحوالنا إلا باستعادة قوتنا الذاتية وإحداث تنمية معرفية لشعوبنا وإصلاح الخطاب الديني والتعليمي والثقافي لوضعها علي طريق المنافسة وبناء القدرات التي تنقلنا لمصاف الدول المتقدمة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة