رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

ما يجري لأمتنا ومنطقتنا يفرض سؤالاً لا مفر منه: هل أخلاقنا بخير.. هل تتطابق أقوالنا مع أفعالنا.. وهل نطبق ما دعانا إليه ديننا الحنيف ورسوله الكريم الذي قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. وهل انتهينا عما نهانا عنه.
لا شك أن ديننا الكريم شأنه شأن رسالات السماء كافة يحضنا علي فعل الخير واجتناب المنكرات. رافضاً أي انحراف في الفكر أو فساد في السلوك أو التصور.. ورغم ذلك فإن منطقتنا العربية. مبتلاة دون غيرها بالإرهاب وجماعاته والتطرف وتنظيماته والإهمال والفساد والتخلف والأمية والمرض حتي باتت أكثر بقاع الأرض هشاشة وانقساماً وتدهوراً في الإنتاج وانحداراً في السلوكيات وانخراطاً في الخرافة واستسلاماً للشعوذة والتواكل والكسل وهي الآفات التي يرفضها ديننا بشدة.. الأمر الذي يطرح سؤالاً آخر.. لماذا تدهورت أخلاقنا وتراجعت أدوارنا الحضارية وتداعت علينا الأمم كما تتداعي الأكلة إلي قصعتها ليس من قلة ولا من فقر في الموارد بل نحن كثرة كغثاء السيل كما قال رسول الإسلام صلي الله عليه وسلم..؟!
فهل تجد أمة أخري يحاربها أعداؤها بأيدي بعض بنيها الذين يجري توظيفهم لهدم أركان دولنا وهز استقرارها فيما يعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس ليدمر بعضنا بعضاً بدعاوي زائفة تنطلي علي بعضنا.
ومن عجب أن أمة اقرأ لا تقرأ ولا تجتهد بالصورة المرجوة في طلب العلم ولا تتحري الصدق ولا تتثبت كما أمرنا ديننا السمح من صدق ما تشيعه طائفة من الناس علي مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار وقنوات التحريض من أخبار مفبركة وشائعات مكذوبة هدفها تشويه إنجازات الدولة المصرية التي تتعرض لموجات شرسة من الإرهاب وحروب الأفكار والشائعات التي لم تجد من يدرأها باليقين والبرهان كما تنتشر بيننا رذائل من عينة الكذب والرياء والغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل وإخلاف الوعد ونقض العهد خلافاً لما يأمرنا به شرعنا القويم من إصلاح للنفس وإقرار بالذنب وإقلاع عن المعاصي والتطهر من الرذائل حتي نرتقي لمدارك الإيمان الحق ويستوي ظاهرنا مع باطننا وأقوالنا مع أفعالنا وألا نقول ما لا نفعل ولا نعد ثم نخلف أو نفتري الكذب في حديثنا حتي لا نقع تحت طائلة قول الله تعالي: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.." أو قول رسوله الكريم "آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان".
الأخلاق أعظم أركان الدين بحسبانها منصة إطلاق لقيم الخير والحق والجمال.. فهل تحققت تلك القيم في مجتمعاتنا التي ابتليت تارة بالاستعمار والاحتلال البغيض والاستبداد المقيت وتارة أخري بالدواعش الجدد وجماعات العنف والتكفير التي اجتاحت دولنا فخربت العمران وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح وشوهت بكل أسف صورة الإسلام الحنيف الذي انتمت إليه زوراً وبهتاناً أو ادعاءً وكذباً.. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: من قام بتشويه صورة الإسلام الحق.. أهي تصرفات بعض المنتسبين إليه أم أعداؤه الذين لا يرجون له انتشاراً حتي اختلقوا مصطلحاً ظالماً وهو "الإسلامو فويا" في الغرب الذي ارتكب فظائع في دولنا التي احتلها قروناً وأمطرها بحروب صليبية قروناً أخري دون أن يجرؤ أحد علي صك مصطلح مقابل وهو المسيحية فوبيا أو حتي اليهودية فوبيا. ذلك أنه لا يصح أن تنسب إلي الأديان موبقات اقترفها بعض المنتسبين إليها قصداً أو بغير قصد وعلي أصحاب هذا الدين أو ذاك أن يقدموا لغيرهم الصورة الحقيقية لدينهم.
لكن ذلك كله لا ينفي أن هناك انفصاماً ظاهراً بين جوهر ما يدعونا إليه ديننا وبين سلوكنا وأفعالنا وهو تناقض ناتج عن قصور شديد في فهم البعض لدينه بصرف النظر عن تصرفات الغير نحونا.. وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي بصراحة فائقة خلال الاحتفال بليلة القدر الذي أقامته وزارة الأوقاف كدأبها كل عام. فقد قال الرئيس "إن من يؤثر علي الدين وصورته لدي الغير بشكل طيب أو غير طيب هم أهله. وأن كل دين قوي بطبيعته لكن الذي يضعف صورته هم أهله وممارساتهم الفعلية".
السيسي لم يكتف بذلك بل ذهب إلي أبعد من هذا حين دعا إلي عدم التورط في الإساءة للغير في خطابنا. مشيراً إلي أنه كان حريصاً منذ توليه منصبه علي ألا يقول لفظاً خادشاً أو مسيئاً لأحد سواء كان عدواً أو حبيباً حتي في أحلك اللحظات وأشدها صعوبة. وأن الفهم الصحيح للآية الكريمة "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" لا يقف فقط عند حدود الحفاظ علي حياة الإنسان وإنما يتسع معناها ليشمل كل ما يحافظ علي حياته وسلامته.
ومن أسف أن من أصحاب الفكر المتشدد والفهم المغلوط للدين من يجعل المسلمين غير آمنين حتي في بلادهم كمال قال الرئيس.. ونحن نتعرض للقتل ليس منذ خمس سنوات فقط بل من سنوات طويلة بأيدي أناس منا وننفق علي تأميننا مبالغ طائلة نتيجة هذا الفهم المغلوط للدين.
وبكلمات لم تكن مكتوبة في خطابه الرسمي احتفالاً بليلة القدر دعا الرئيس إلي ضرورة مراجعة أفعالنا وأقوالنا وأن نتذكر جميعاً أننا سوف نقف أمام الله تعالي وسنحاسب علي ذلك متسائلاً: هل نحن كبشر نقدم ما يليق في كل ممارساتنا وسلوكياتنا التي لا تزال بعيدة عن جوهر الدين الذي علينا أن نجتهد لفهمه فهماً صحيحاً حتي نطبقه قولاً وفعلاً بالصورة اللائقة.
مكارم الأخلاق هي مدارات الأديان كلها. وما أبلغ قول رسول الإسلام "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فالدين المعاملة. وما انتشر الإسلام إلا بحسن الخلق وحسن المعاملة ولولا الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام لتحولت مجتمعاتنا إلي غابات ينهش القوي فيها الضعيف إشباعاً للغرائز والحاجات المادية.. وما أحسب تخلفنا عن ركب التطور ومسار التاريخ إلا لأننا تخلينا عن مكارم الأخلاق وأهملنا رسالتنا الحضارية المتميزة التي نقلت المجتمعات من طور البداوة والغشاوة إلي مصاف الحضارات العظمي والأمم الكبري حتي حفظت أمة الإسلام للإنسانية وجودها الحضاري وأخرجتها من ظلام العصور الوسطي وغياهب الجهل وظلام التخلف إلي نور العلم والتمدين اللذين تدين بهما أوروبا للإسلام وأهله.
لقد سادت أمتنا العالم بما أدته من أدوار تاريخية التزمت قويم الأخلاق وأثمرت بالعلم والعمل والإيمان رقياً وسمواً حفظ للإنسان بقاءه وللأخلاق روحها ورسم للإنسانية معالم التمدين.. لكن العبرة اليوم بالنتائج فلا يكفي أن نسترجع أمجاد حضارة الإسلام أو حتي حضارة السبعة آلاف عام المصرية بل علينا أن نتساءل: ماذا فعلنا بهذا الإرث الحضاري العظيم الذي ساد الدنيا قروناً طويلة.. هل حافظنا علي تفوق أجدادنا وعظمتهم.. هل أضفنا إليه شيئاً من عندنا يجعلنا خير خلف لخير سلف.. أم فرطنا فيه وضيعناه..؟!
ظني أن هبة يناير 2011 ما ضلت طريقها وتعرضت للسرقة من الإخوان إلا لتركيزها بالأساس علي مطالب اجتماعية وسياسية دون أن تتخذ لها ظهيراً أخلاقياً يحفظها من انحرافات سلوكية طفحت بالانتهازية وانحطاط القيم الاجتماعية التي كانت أهم ما يميز مجتمعاتنا الشرقية المتدينة بفطرتها. الحاضنة لرسالات السماء وشرائع الأديان.
في الشرق انبلج فجر الضمير وانبثقت ينابيع الأخلاق وتدفق الرقي الإنساني لتتشكل أهم ركائز الحضارة وأعظم أعمدتها.. ولقد أفرزت أحداث يناير سلوكيات لا علاقة لها بالثورات الهادفة لإقرار المساواة والعدل والحرية وإعلاء الكرامة الإنسانية. ذلك أن لكل ثورة ناجحة كفتين إحداهما لهدم الفساد والأخري للبناء والاستقرار ونشر الأمن والأمان.. لكن عالمنا العربي الذي اجتاحته ما عرفت بثورات الربيع العربي ما وصل لحاله المتردية إلا لأن ثوراته قامت علي كفة واحدة هي الهدم والهدم فقط. هدم الأنظمة وما انطوت عليه من مثالب دون أن يكون حاضراً في أذهان المتظاهرين ونخبتهم إجابة شافية لسؤال حتمي: ماذا بعد إسقاط النظام.. ماذا بعد الهدم.. ما المشروع السياسي البديل.. وما مدي قابليته للحياة؟!
لم يكن أحد بكل أسف يملك خارطة طريق للبناء أو استعادة الدولة من براثن الفوضي وشفا الحروب الأهلية التي كانت قد شارفت عليها لولا لطف الله وعنايته.. ولا لقيام الدولة بوظيفتها الأساسية علي نحو المواطن فضلاً عن وفائها بالتزاماتها نحو الخارج حتي لا تضار علاقتها به.. لكن ثورات الربيع العربي سقطت بلا استثناء في هذا المنزلق الخطير دون إيجاد بديل يمكنه تعويض غياب النظم والأركان الأساسية للدولة.
أحداث يناير أفرزت حالة احتجاج انتهازية في مصر تطلب المزايا دون أن تقدم ما يوازيها من جهد أو عمل.. تطلب الحقوق وتهمل الواجبات.. تهدم كل شيء بدعوي التغيير حتي لو جرنا هذا التعبير- وهو ما حدث بالفعل- لاختلالات غير مسبوقة في منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا.. وإلا فبمَ نفسر تزايد وتيرة حوادث السرقة بالإكراه والخطف والاغتصاب وزنا المحارم والقتل والتعدي علي الممتلكات العامة وانتشار سيل من البذاءات والسفاهات والتشهير والتحرش عبر الشاشات مواقع التواصل الاجتماعي والتشفي والشماتة حتي في المرض والموت. ناهيك عن هتك الخصوصيات واغتيال السمعة وتشويه الأبرياء.
لقد أشاعت أحداث يناير حالة فوضي وهدم كل شيء وبدلاً من يكون هؤلاء الثوار أو من أطلقوا علي أنفسهم لقب "ثوار" طليعة أخلاقية تهدي العامة إلي الحق والرشد والعدل ومكارم الخلق كرست للانقسام ودعت للتنابز والجدل والمزايدة وتفجير براكين الغضب والكراهية والتشويه.. وليتها وقفت عند حدود مناهضة الظلم والنضال ضد الفساد والاستبداد والتخلف بل طفحت بممارسات غير أخلاقية أعلت خصال السلبية والانتهازية والمظهرية والصراع والاستهلاك النهم وافتقاد الحس الوطني والمسئولية السياسية وهي الآفات التي أصابت قطاعاً عريضاً من الساسة والنخبة وطائفة من الجماهير.
ومازلنا نعاني للأسف من آثار تلك الآفات وندفع ثمنها غالياً رغم المحاولات الدءوبة من الدولة لإصلاح الأخلاق التي فسدت.. أما الانحطاط الأخلاقي فقد تسببت فيه عوامل عديدة في طليعتها الإعلام بشتي صوره وشرذمة من شباب الجيل الجديد.. وما كان أحوجهم لغير هذا المسلك تماماً وما كان أحوجنا لثورة ضمير وتغيير إيجابي في سلوكياتنا وأخلاقنا بما يقربنا من مجتمع الفضيلة وإصلاح البنية الاجتماعية والاقتصادية التي اضطرت الدولة معها لاتخاذ إجراءات إصلاحية صعبة كان لا مفر منها رغم أن الجميع تأثر بها وعاني منها.. لكنها كانت ضرورية لإنقاذ اقتصادنا من الإفلاس وإنقاذ بلادنا من مصير مؤلم هوت إليه دول حولنا.
أما اليوم فكلنا- إعلاماً ومؤسسات دينية وتعليمية وثقافية وشبابية- مطالبون بالبحث في علاج تداعيات ما بعد يناير وخصوصاً في بعدها الأخلاقي والاجتماعي لنجيب بعد دراسة علمية مستفيضة عن سؤال مهم: ماذا جري لأخلاقنا.. وليكن نبراسنا في ذلك قول رسولنا الكريم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".. فالتغيير سنة كونية لا تتحقق دون إرادة. فالله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم.. والتغيير قرار لا يأتي من فوق وإنما ترسم الطليعة ملامحه لتسير عليه العامة وصولاً لمجتمع الفضيلة والتكافل والإنتاج والوفرة الاقتصادية.. حفظ الله مصر وأهلها وجيشها وشرطتها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة