رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

مبروك للزمالك..وعقبال منتخبنا القومي

* أيام ويودعنا شهر رمضان الفضيل ليكون شاهداً لنا أو علينا..ولا تزال هناك فرصة لنحسن وداع هذا الضيف الكريم الذي أظلنا بالرحمات والنفحات والبركات..كما يحدونا أمل كبير أن يوفق الله منتخبنا القومي- كما وفق الزمالك الذي توج بطلاً مستحقاً للكونفيدرالية- في الفوز بمونديال أمم أفريقيا الذي تستضيفه مصر في الفترة من 21 يونيو وحتي 19يوليو المقبل.

ومن نافلة القول أن مصر هي الأكثر تتويجاً باللقب الافريقي » ذلك أنها حصدت الكأس 7 مرات تليها الكاميرون 5 مرات منذ انطلق العرس الكروي الافريقي عام 1957 علي أرض السودان الشقيق كأول بلد يستضيف تلك البطولة الكبيرة.

ما أكثر حاجة شعبنا للفرحة الممزوجة بالفخر الوطني» فرحة تعوض ما تشعر به جماهير كرة القدم من امتعاض تسببت فيه عشوائيات الدوري العام وفوضاه التي تجاوزت حدود المعقول دون أن يحرك اتحاد الكرة ساكناً بل ربما كان أداء هذا الاتحاد وازدواجيته وضعف قراراته وتكالب بعض أعضائه علي مصالحهم الشخصية وانخراطهم في البيزنس والاعلام الرياضي و"سبوباته" العديدة جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل كما هو في كل الدنيا..أليس انخراط عضو اتحاد الكرة بالعمل مذيعاً أو صاحب برنامج رياضي علي الشاشات مما يدخل في تضارب المصالح..هل نجد شيئاً من ذلك في اتحادات دولية مماثلة أم أن ذلك بدعة لا نجد لها مثيلاً في دول أخري..أما آن الأوان لاصلاح هذا المسلك المعيب..حتي ينصلح حال الساحرة المستديرة التي ساءت أحوال وأداء لاعبيها بدنياً وذهنياً وربما أخلاقياً بكثرة اعتراضهم وتطاولهم علي قضاة الملاعب بصورة لم تعد مقبولة.

كرة القدم باتت صانعة للسعادة واستثمارا عالمياً ضخماً بعد أن صار الاحتراف لغة عالمية وصار رعاة اللعبة شركات ومؤسسات ذات رءوس أموال ضخمة كما أن الفيفا تحكمه قواعد صارمة وادارة حازمة وعادلة ربما لا نجدها حتي في المؤسسات الدولية الأممية الكبري.

* نعود الي رمضان الذي أوشك علي الرحيل لنسأل أنفسنا سؤالأ مهماً: ماذا فعلنا فيه ..هل أحسنا استقباله واستثمار أوقاته الزكية ونفحاته السخية أم فرطنا وضيعنا أوقاتنا كالعادة في مشاهدة مسلسلات بايخة وبرامج تافهة تجرح حرمة هذا الشهر الفضيل وتجافي روح الصيام والعبادة.

* نودع رمضان وفي الحلق غصة مما شاهدناه من دراما هابطة واعلانات تبرع هي أقرب للتسول والشحاذة منها الي فعل الخيرات.. ما يدفع للتساؤل : هل هناك رقابة حقيقية علي مثل تلك التبرعات التي يقدرها البعض بمئات الملايين.. وهل تنفق في مصارفها الشرعية في مساعدة الفقراء أو تطوير العشوائيات أو بناء المستشفيات والمدارس والانفاق علي البحث العلمي المنتج . ناهيك عن الاعلانات المستفزة التي تروج لمنتجعات وكامبوندات لا يراها البسطاء الا في أحلامهم أو علي الشاشات التي أصابت المواطنين بالغثيان جراء التكرار المستفز لاعلانات يصر أصحابها علي بثها عشرات المرات في كل عمل درامي أو برامجي حتي ملَّ الناس منها وسئموا تكرارها.

ضخامة ما يصرف علي اعلانات شركات المحمول الأربعة سبب آخر يضاعف الاحساس بالأسي والحزن. ذلك أن تلك الشركات وبدلاً من الانفاق علي تحسين خدمات الاتصالات والانترنت المنوط بها تقديمه نراها تتصارع للاستئثار بنجوم أهل الفن والكرة وتجزل لهم العطاء بملايين الجنيهات وكان حرياً بها لو صرفتها علي معالجة وازالة شكاوي العملاء الذين جأرت أصواتهم شكاية من رداءة خدمات المحمول والانترنت في طول البلاد وعرضها بطئاً أو انقطاعاً وهو ما لم يلفت نظر الجهاز القومي للاتصالات الذي ترك مقدمي الخدمة دون رقابة ولا مساءلة ولا حتي تقييم أداء يدخل بالضرورة ضمن اختصاصه الأصيل بموجب القانون.

يغادرنا رمضان وفي أذهاننا أسئلة لا حصر لها ولا اجابة عنها: فماذا أرادت دراما هذا العام..ماذا قدمت من قيم وأفكار..وماذا صنعت بعقول المشاهدين ووجدانهم ..هل أفردت جانباً لقضايا الارهاب والتطرف والفساد أوتضحيات الشهداء..هل تغلغلت في نسيج المجتمع لتقول لنا بوضوح كيف وصلنا لما نحن فيه من تراجع لقيم اجتماعية ودينية أصيلة تحت تأثير مشاهد العنف المتنامي والعري المتزايد علي الشاشات ..للأسف سقط أغلب المسلسلات في بئر الاسفاف وغياب الرؤية الوطنية والهدف الاستراتيجي واقترف بعضها الآثام عبر ترديد الألفاظ النابية والحوارات المتدنية المجافية لكل القيم والأعراف النبيلة التي امتازت بها مجتمعاتنا علي مدي قرون طويلة..وهو ما عبر عنه المجلس الأعلي للاعلام.

مسلسلات هذا العام هي أقل عدداً مقارنة بأعوام ماضية لكنها كالعادة حادت عن جادة الخط التاريخي الهادف والخطاب الديني البناء والمعرفي الهادئ والاجتماعي المستنير..خلافاً لما كنا نراه في أعمال الزمن الجميل التي أبدعتها قرائح مبدعين علي شاكلة أسامة أنور عكاشة الذي سلط ضوءاً كاشفا علي أحوال مصر المعاصرة وتاريخها ونضالها الوطني المشرف ضد الاحتلال والاستعمار والعدوان الغاشم..رمضان كان فرصة ننتظرها من العام للعام لنشاهد أعظم الأعمال الدرامية والبرامج الدينية والحوارية.

عكاشة وغيره من المبدعين تأليفاً واخراجاً وتمثيلاً كانوا مصدر سعادة للأسر المصرية التي كانت تنتظر أعمالهم من العام للعام لتلتف حول الشاشات بلا ترقب ولا خوف من مشهد جارح هنا أو لفظ مسيء هناك أو تسفيه للقيم الأصيلة التي تربت عليها الأجيال تلو الأجيال.

لقد نبهت مراراً وتكراراً في مثل هذا المكان من خطورة ما يجري في الأعمال الدرامية من تشويه للقيم والوعي والادراك لأجيالنا الجديدة التي لم تتشكل مفاهيمها وقناعاتها بعد .. وطالبت بضرورة تدخل الدولة في الانتاج الدرامي علي وجه الخصوص لكن ذلك لم يحدث.. والسؤال هنا: أين الصورة الايجابية للمرأة التي صارت ذات دور مرموق وتأثير سياسي مشهود في بلادنا حتي أن الدستور ضمن لها أخيراً تمثيلاً برلمانياً لا يقل عن 25% من مقاعد البرلمان..أين أمهات الشهداء وأسرهم وبطولاتهم في تلك الأعمال التي أسقطت تلك الملامح الانسانية سهواً أو عمداً وانخرطت في إلهاء المجتمع بتفاهات الأمور واغفال كل ما من شأنه تنمية قيم الولاء والانتماء الوطني عبر تكريس نماذج ايجابية جادت بأرواحها حتي يحيا وطنها عزيزاً كريماً..وهي النماذج التي نحن أشد ما نكون احتياجاً لها لاسيما في مثل هذه الأوقات العصيبة من حروب الارهاب ومعارك الاقتصاد والتحولات الكبري في المنطقة والعالم من حولنا.

ما قدمته المسلسلات للأسف هو تضخيم لسلبيات كان يمكن علاجها بتقديم القدوة الحسنة بدلاً من الاصرار علي تشويه المرأة والصعيد مثلاً ..الأمر الذي يدفعني للتساؤل: هل هي مؤامرة من البعض علي الوطن ومحاربة للعقل الجمعي لتفكيك الدولة أم أنه في أحسن الافتراضات انعدام ضمير وجشع منتجين انسياقاً وراء مكاسب سهلة ومغانم زائلة علي حساب وطن بكامله.

كيف يمكننا أن نصف تلك الأعمال حين تغفل التركيز علي التنمية الاقتصادية ومكافحة الارهاب فكراً وتنظيماً. ناهيك عن اغفال دور البحث العلمي في رقي المجتمعات وتطورها..لماذا تحولت الدراما عن دورها في الافادة والامتاع والتثقيف والتنوير الي جلاد يلهب ظهور المصريين ويعري مجتمعهم ويسفه قيمهم وأحلامهم حين يبرز نماذج تتجرأ علي الأخلاق وتدوس القيم ..ماذا يضير صناع الدراما لو انطلقوا صوب الأهداف القومية الصحيحة لاستنهاض الهمم وابتعاث الروح الوطنية الايجابية وضخ الحيوية الأخلاقية والثقافية في أوصال مجتمعاتهم وتسليط الأضواء علي النماذج الايجابية في حياتنا وما أكثرهم.

كنا نرجو لو سلطت الدراما ضوءها الكاشف علي بناة النهضة الحديثة من شباب يكافح ويكد ويعرق في شق أنفاق قناة السويس لربط سيناء بالوطن الأم أو في تشييد الطرق والكباري والمدن الجديدة وما تشهده مصر من ملاحم كبري في محور روض الفرج أو العاصمة الادارية أو في صعود نجم اللاعب الخلوق محمد صلاح الذي جاء من قرية صغيرة حتي بات من كبار نجوم اللعبة في العالم أداءً و تهديفاً وخلقاً كريماً ليصبح سفيراً لمصر والعرب وواجهة مشرفة في العالم أجمع جنباً الي جنب نجوم لعبات أخري علي رأسها الاسكواش التي تستحوذ مصر علي معظم بطولاتها العالمية.

ليس هناك ما هو أعظم من تضحيات الشهداء وأسرهم في سبيل بقاء هذا الوطن وبنائه..فهؤلاء الأبطال قدموا أروحهم عن طيب خاطر ايمانا واحتساباً حتي يعيش غيرهم وليس هناك مادة درامية أعظم من لحظات التضحية بالنفس تستقي منها الدراما روحها لتقدم للمشاهدين أعظم رسالة حب للأوطان ..ولو أحسن صناع الدراما توظيف هذه المشاهد لجنينا أعظم الثمار ولقدمنا لأجيالنا الجديدة قدوة حسنة وفريضة غائبة في مجتمعنا رغم ما يشهده هذا المجتمع من سلوكيات مغايرة تغص بالاهمال والفساد الذي لا تألو الأجهزة الرقابية جهداً في محاربته. ناهيك عن البيروقراطية الخانقة والمعوقة التي تحاول الدولة جاهدة القضاء عليها..لكن تلك الآفات وغيرها موجودة بدرجة أو بأخري في كل المجتمعات دون أن توقف سعيها الحثيث نحو بلوغ التقدم والرقي.

ولا يمنع مثل هذه الظواهر أن يحاول صناع الدراما اشاعة روح الأمل والتفاؤل والتحدي والاحتفاء بنماذج انسانية مبهرة تعطي بلا حدود ولا انتظار جزاء أو شكور..متي يعود الفن ملتزماً بقضايا وطنه وأمته..ليجيب عن أسئلة محورية : ماذا أراد الغرب وجماعة الاخوان مثلا مما حدث في مصر غداة 25 يناير 2011 وحتي الآن ..وكيف دأبت تلك الجماعة علي نشر الشائعات والأكاذيب والاحباط بين الشعب المصري ..؟!

آن الأوان أن نري دوراً أكبر للدولة التي علي الجميع أن يمد يده لمعاونتها في تصحيح مسار الاعلام و انتاج دراما هادفة تحرض علي التفكير والانتاج والابداع حتي لا يترك وعي الشعب يتشكل علي أيدي العابثين والساعين للربح علي حساب القيم وحتي لا يتحكم الاعلام وصناعه في ذوق المشاهدين وثقافتهم .

لقد وضع الرئيس السيسي قضية بناء الانسان في صدارة أولوياته ويبقي علي الدولة والمجتمع أن يبسط يده لانقاذ الفن والثقافة والتعليم من أيدي العابثين والمغرضين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة