رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

* أظلنا شهر ننتظره بشغف من العام للعام.. فرمضان فرصة حقيقية ينبغي اغتنامها لمراجعة أنفسنا وتطهير قلوبنا مما علق بها من صدأ روحي تراكم عليها علي مدي العام.. فهل يستوي من يدرك أن رمضان منحة ربانية وموسم للطاعات فجعل صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعاً.. ومن حوله إلي شهر ترفيهي يسرف خلاله في مباهج الدنيا وملذاتها غير عابيء بحرمته. ولا بما أراده الله لنا من وراء فريضة الصيام ..ومن أسف أن الفريق الأخير يتنامي باستمرار ويمني نفسه بزينة الدنيا وزخرفها. فيسهر الليالي في التهام ما لذ وطاب ومشاهدة مسلسلات وبرامج مقالب اجتاحت الشاشات وخطفت القلوب وفرغتها من روحانيات الشهر الفضيل.

المدهش حقاً في رمضان أن ضغط الناس يشتد علي السلع والخدمات والمرافق بصورة تثير الفزع لفرط ما نراه من تناقض صارخ بين تعاليم الإسلام وسلوكيات المسلمين فبينما يأمر القرآن أصحاب هذا الدين بالاعتدال والوسطية في الأمور كلها بقوله "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" وهو الأمر الذي أعاد النبي التأكيد عليه بقوله صلي الله عليه وسلم "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه فإن كان لا محالة فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه لكن شتان بين مقاصد الشرع الحنيف وتعاليمه السمحة وبين سلوكيات المسلمين وأفعالهم دون خلق الله جميعاً وهي سلوكيات فيها من البذخ والسفه أكثر مما فيها من الاعتدال والرشد وروح الدين.

فالصائمون رغم أنهم يتناولون وجبتين في اليوم فقط لكن الأرقام كلها تؤكد أن استهلاكهم للغذاء في رمضان يفوق ما يستهلكونه علي مدار العام كله..وما يضاعف الأسي حجم الإهدار والفاقد في الطعام والشراب الذي يذهب إلي سلال المخلفات والقمامة من أطعمة تخاصم بطون الفقراء والمعدمين الذين هم أشد ما يكونون احتياجاً لها .. بينما تجد موائد الإفطار في بيوتات كثيرة عامرة بما لذ وطاب وبما يفيض عن حاجة أصحابها لدرجة أن الواحدة منها قد تسد جوع عشرات الصائمين ولا يتوقف البذخ عند ذلك الحد بل يمتد لبعض موائد الرحمن التي انتشرت للأسف بشكل كبير في أماكن عديدة وتزدحم بروادها بصورة واضحة.

ورغم أن إطعام الفقراء والمساكين مطلوب لكن البذخ مرفوض» فإفطار الصائم قد يكون بشربة ماء أو مزقة لبن أو تمرة وتوجيه فوائض أموالنا لسبل أكثر نفعاً كبناء مستشفي يعالج فيه الفقراء أو مدرسة تقدم لهم تعليما نافعا أو مصنعا يوفر فرص عمال للمتعطلين منهم.

ومن أسف أن هذا المسلك المعيب يتفاقم عاما بعد عام فهل يعقل أن تضرب حمي الاستهلاك النهم عالمنا الإسلامي حتي أن حجم إنفاقه علي الطعام في رمضان يتجاوز مليارات الدولارات وهي آفة لم تنج مصر منها بل لعلها الأكثر استهلاكا واسرافا بين قريناتها رغم اعتمادها الكبير علي الاستيراد الذي يتجه أغلبه إلي الغذاء.

لقد انحرفنا بالشهر الكريم عن غاياته المثلي وفرغناه من مضمونه الحقيقي الداعي للاعتدال والاقتصاد في الاستهلاك والحث علي التوفير والادخار وبدلا من أن نكون قلوباً رهيفة تتصدق وتتراحم فيما بينها وتقتصد في الطعام والشراب.. صرنا قلوبا غليظة تسرف وتبذر وبطونا تلتهم ما يصل إليها حتي صارت أوعية شر وبيتا للداء والعلة وسببا في الخمول والتراخي والكسل وضعف الإنتاج.

ولم يتوقف إسرافنا عند حدود الطعام والشراب فحسب بل تجاوزه إلي الإغراق في السهر علي مشاهدة المسلسلات والأفلام والبرامج علي اختلافها حتي صار صيامنا مجروحا ونقاؤنا الروحي مشوشا وليس مستغرباً في ظروف كهذه يشتد فيها الطلب علي السلع والخدمات أن ترتفع الأسعار بمبرر ودون مبرر وهو ما تضطر معه الحكومة لضخ موارد إضافية لدعم المتطلبات الزائدة مما يرهق ميزانية الدولة.

ومن أسف أن تتصدر إعلانات المسلسلات المشهد قبيل رمضان لتظل تطارد المشاهد بما سوف تعرضه علي الشاشات من عشرات البرامج والمسلسلات. وفيها الغث والسمين والمفيد والفارغ والجاد والهازل ..ولا أدري كيف سيوفق المشاهدون بينها رغم صيامهم وقيامهم ومن أين سيجدون وقتاً لمتابعة كل هذا الكم الكبير وهل ستلتزم الفضائيات والتليفزيون بما أقره المجلس الأعلي لتنظيم الإعلام من مباديء وما أقره من عقوبات مغلظة لمن يخرج علي قيم المهنة وتقاليدها بما فيها الإعلانات المخالفة.

لقد شهدنا في سنوات سابقة كيف تسابقت الفضائيات علي كعكة الإعلانات التي أريد بها السيطرة علي عقول الناس ومشاعرهم ويحدونا الأمل أن يتغير هذا النهج فنجد برامج ومسلسلات أو حتي إعلانات تغوص في قضايانا بموضوعية وتجرد ووطنية وتقدم حلولا واقعية لمشكلاتنا المزمنة وتأخذ بأيدي الجمهور نحو الاستنارة واستلهام تجارب النجاح من حولنا أو حتي من محيطنا وتوعيته بما يحيط بنا أو يحاك ضدنا.

الصيام يا سادة عبادة روحية وبدنية تستلهم نبل الرسالة ومقاصدها وتشيع قيم التكافل الاجتماعي والصبر والإحساس بما يعانيه الفقراء وما أراد الله تجويعنا إلا لنعرف قيمة الطعام الذي نرمي للأسف ما يفيض عن حاجتنا في سلات القمامة.. أرادنا أن نشعر بمرارة حرمانهم لا أن نتعالي عليهم أو نضيق بهم ذرعاً إذا ما سألونا بل نمد لهم يد العون من دون منّ ولا أذي فنحن مستخلفون فيما تحت أيدينا من أموال سوف يسألنا الله عنها من أين اكتسبناها وفيم انفقناها.

شتان بين ما أراده الله لنا من رمضان وبين ما نفعله بأنفسنا فيه..فهل توقفنا عن الغيبة والنميمة والحقد والغل والحسد وإيذاء الآخرين دون ذنب أو جريرة وهل يكف الموظفون أيديهم عن تلقي رشاوي مقنَّعة يرونها إكراميات من حقهم تقاضيها لقاء قضاء مصالح الناس.. هل يبتسم الموظف في وجه من يتعامل معه من الجمهور أو يزيل أسباب شكاواهم ويقدم لهم الخدمة بيسر.. هل يرحم كبارنا صغارنا وأغنياؤنا فقراءنا ومسئولونا مواطنينا وهل يوقر صغارنا كبارنا.. هل نصل أرحامنا التي تقطعت أكثر رغم ثورة الاتصالات وتطورها الهائل..هل نخفف عن المنكوبين آلامهم ونقضي عن الغارمين ديونهم حتي لا يلقوا خلف القضبان بلا جريرة سوي العجز عن سداد ما عليهم.

هل ينزل المسئولون إلي المواطنين علي الطبيعة ويعيشوا مشكلاتهم أم يكتفون بمطالعة تقارير مرءوسيهم.. هل يؤدي الأغنياء واجبهم نحو الفقراء فيخرجون زكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم مصداقاً لقوله تعالي "وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".. أم أنهم بخلوا واستغنوا واستعلوا علي عباد الله. ناسين أنهم مهما تكثر أموالهم فلن يخرقوا الأرض أو يبلغوا الجبال طولا.

للصوم حكمة كبري لا يبلغها إلا من فهم غايتها وعلم قدرها ومن أراد أن يري نفسه في ميزان الصوم فلينظر ماذا ترك الصيام فيه من أثر وماذا غير فيه من سلوك وأفعال سلبية ..فإذا تحول به إلي فعل رشيد يرضاه الله وينفع الناس فقد بلغ الغاية من تشريع الصيام..فالدين المعاملة والدين السلوك والعمل ولن تجد آيات الإيمان مقرونة بشيء إلا بالعمل الصالح الذي من دونه يظل إيمان المرء ناقصاً لا روح فيه ولا طائل منه.

فهل يتوقف التجار عن جشعهم ويرأفوا بحال البسطاء وهل يقلع الناس عن مرذول عاداتهم وهل يتصالح المتخاصمون ويتحد المتفرقون معتصمين بحبل الله المتين وصلات القربي حتي لا يفشلوا ويذهب ريحهم.

من مفارقات مجتمعاتنا في رمضان أن يشتد كسلنا متذرعين بالصوم عن تأخير أعمالنا أو التهرب من أدائها ومن ثم يقل إنتاجنا الذي هو قليل أصلاً وتتعطل مصالح الخلق وننسي أن رمضان هو شهر الصبر والانتصار علي النفس والأعداء والشهوات ..وكم حقق المسلمون انتصارات تاريخية في هذا الشهر الفضيل.. وما نصر العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973 عنا ببعيد.

فماذا فعلنا لتنقية أنفسنا من كل هذه السلبيات التي يعج بها المجتمع..ربما لا يعي البعض أننا لم نرتق لفهم تعاليم هذا الدين الحنيف وغاياته السامية لأسباب عديدة. يتصدرها تقصير المجتمع كله في الإحاطة بمقاصد هذا الدين وليس الدعاة والمفكرون ورجال الدين هم المقصرون وحدهم في استعادة الروح الصافية للشرع الحنيف وغياب دورهم الفعال في تبصير الناس بما لهم وما عليهم بل إن الأسرة مقصرة أيضاً في تربية أبنائها وتقديم القدوة الحسنة لهم حتي اتسعت الهوة بين الأجيال..وهو ما نرجو أن تتداركه مؤسسات الدولة المعنية. وفي مقدمتها قصور الثقافة ومراكز الشباب والنوادي التي نرجو أن تمتليء بالشباب في منتديات رمضانية كنا نراها في الزمن الجميل.

نريده شهراً للتقرب إلي الله وتقارب الناس من بعضهم البعض بفعل الخيرات وترك المنكرات وإحداث التكافل الاجتماعي المفقود والتواصل الأسري الذي ضلّ طريقه إلي مجتمعنا فاكتفي بعضنا برسائل الواتس آب أو رنة الموبايل أو رسائله القصيرة بديلاً للزيارات والالتقاء بالأهل وجهاً لوجه. رغم سهولة الحياة عما قبل حتي صار أسوأ ما يتعرض له هذا الدين هو مفارقة اعتزاز المسلمين به مع جهلهم الشديد بما يريده منهم ويحثهم عليه.

ولا تزال قائمة سلبياتنا في رمضان أكثر بكثير من الإيجابيات وندعو الله أن يرزقنا حسن الفهم وحسن العمل وشجاعة الاعتراف بأخطائنا حتي نبدأ في إصلاح أنفسنا.. اللهم انزع الغل والحسد من قلوبنا والخناجر من أيدينا والجحود والنكران من تصرفاتنا والعنف من سلوكيات أبنائنا وأجيالنا الجديدة التي تشربت هذا المسلك من الدراما والأعمال الفنية الهابطة.

اللهم اجعل حكومتنا تنحاز دائماً للبسطاء من شعبنا ليكون ذلك تنفيذاً أمينا لما طالب به الرئيس السيسي الذي لا يكف عن الانحياز لمحدودي الدخل .

اللهم اجعل حكومتنا حكومة للناس جميعاً ومن الفقراء أقرب واجعل الحوار سبيلاً للتفاهم والتفاعل بين الناس والحكومة وبينها وبين المعارضة.

اللهم اجعل إعلامنا منصفاً نزيهاً يتحري الصدق والموضوعية ولا يبتغي إلا وجه الحق وصالح الأوطان غير مقترف للنميمة والإثارة وافتعال معارك وهمية وتقديم السبق علي حساب الحقيقة والمهنية.. اللهم اجعله لسان حال الناس وضميرهم اليقظ.. اللهم اجعل مصر آمنة بجنودها خير أجناد الأرض محصنة ضد رياح الفتن وحروب الجيل الرابع والخامس..اللهم أصلح تعليمنا وصحتنا وبحثنا العلمي أساس أي نهضة أوتقدم..اللهم احفظ شبابنا وجنبهم الغش والاستسهال وارزقهم فهم ما يدرسون حتي يخرجوا لسوق العمل مسلحين بالمعارف والخبرات والمهارات المؤهلة للمنافسة.. اللهم احفظ مصر وشعبها ورئيسها وجيشها وشرطتها.. واجعلها علي قلب رجل واحد لتكمل ما بدأته من إنجازات ومشروعات سوف تنقلها لمصاف الدول المتقدمة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة