رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في أواسط تسعينات القرن الماضي.. شاب في العشرين انتابه أرق غير مبرر.. أيام خمسة كاملة لم تغفُ له عين.. اصطحبته والدته إلى طبيب بالقرية نفسها.. لم يكن طبيبًا نفسيًا، لكنه كان معروفًا عنه قدرته المدهشة على الوصول مع الآخر ـ المريض ـ إلى نقطة التقاء هي بيت للداء.. ومستقر للدواء.

استمع الطبيب بوجه باش وابتسامة معهودة لشكوى مريضه.. نظرات مطمئنة بثها الطبيب بمزيد من اهتمام كانت كفيلة وحدها بأن يوقن المريض أنه أدرك الهدف.. وأن شكواه بعد لحظات ستصير جزءًا من ماضٍ كطرفة تُحكى.

حاول الشاب ممارسة عادته في مراوغة الناصحين.. تقبل الطبيب.. تحاورا.. أحس المريض أنه وجد ضالته في صديق حقيقي، وإن كان يكبره عشرين عامًا.. أو يزيد.

تحرّج الفتى.. بدا حائرًا حين همّ بالسؤال عن قيمة "الكشف"، فمن يسأل وهو لم يرَ في عيادة الطبيب "سكرتيرة"، أو حتى مكانًا يوحي بوجودها خارج غرفة الفحص؟!.. وكيف له أن يسأل صديقه الجديد عن مقابل اللقاء الجميل؟! لم يجد مفرًا من السؤال الثقيل.. قاطعه الطبيب: "لا تحصر العلاقة في علاقة طبيب بمريض، وفي انتظار زيارات قادمة صديقًا".. وبعد إلحاح خجول أجاب الطبيب: "خمسة جنيهات".. ابتسم الشاب ظنًا أنها مزحة قصد بها الطبيب التأكيد على تكسير الحواجز.. أكد الطبيب أنها قيمة الكشف الفعلية لكل المرضى!!

زيارات معدودة حالت دون استمرارها مشاغل الحياة.. أتاه الشاب بعدها رجلًا على بعد سنوات عشر من الزيارة الأولى، حاملًا طفلته المريضة حينها..

الساعة السابعة صباحًا ولا مناص من اللجوء للطبيب الإنسان، فمن ذا الذي يستجيب لنداء الهاتف في تلك الساعة القارسة عقاربها من شتاء يناير؟!.. قابل الطبيب استغاثة الأب بترحاب وحماس استثنائيين: "حالا"..

المكان نفسه بالطابق الأرضي.. قطع الأثاث البالية لم تتغير.. لا وجود لمكتب سكرتيرة أو ممرضة.. ألوان الحوائط نفسها.. الطبيب لم يغير العقد الكامل من ملامحه سوى مزيد من بياض في الرأس.. والقلب..

الطفلة التي لم تنقطع صرخاتها ليلة كاملة استكانت بين يدي الطبيب.. كأنها أدركت قبل أن تنطق أن موعد الشفاء من الله تجسد في ابتسامة قرأتها كما قرأها والدها منذ سنوات.

"عندكو أدوية ايه فى البيت.. ثواني".. قالها الطبيب وهو يبحث بين الأدوية في أدراج مكتبه وفوق أرفف دولابه القديم، واستطرد: "ذلك الدواء لمدة.... وهذا لمدة.... وأنتظر المكالمة أو الزيارة في أي وقت للاطمئنان على الجميلة".

لم يمنح الطبيب للأب فرصة لاعتذار واجب عن الإزعاج في ذلك الوقت الباكر قائلًا: "دى زي بنتي"، ثم أهدى الأب كتابا كثير الصفحات منظم السطور غزير المعلومات حول كيفية التعامل المنزلي مع الأطفال في مثل تلك الحالات الطارئة أنجزه بنفسه، متحملا تكلفة طباعته وقد كتب على صدر صفحته الأولى "إهداء إلى ابنتي وأترابها".. عاودت الحيرة الأب بصورة أشد من سابقتها في اللقاء الأول.. زادت الدهشة حين أخبره الطبيب بأن الكتاب يهديه ـ مجانًا ـ لكل الآباء، وأن قيمة الكشف "خمسة جنيهات" مازالت.. خرج الأب يحكي تفاصيل الزيارتين لكل من قابله، كحدٍ أدنى.. أو محاولة بائسة لرد الجميل والإقرار بالفضل.. صُفع حين باغته كل متلقٍ لحديثه بأن الطبيب نفسه ترك الأثر نفسه والدرس نفسه في نفس كل من زاره مريضا بالمواقف البعيدة عمن عداه نفسها!

رحل الطبيب الإنسان.. صاحب الرسالة والدروس العديدة والعلامات في قلب كل من التقاه مريضًا... صديقًا.

رحل عن دنيانا دكتور صبحي الفحل منذ أيام تاركًا إرثًا عظيمًا من الخير والجمال وكل المعانى الإنسانية النبيلة، ولنترك القارئ الكريم مع آخر دروس "طبيب الفقراء.. فقير الأطباء" التي دونها على صفحته على الفيسبوك قبل يومين من وفاته، فمن غيره يستطيع أن يحاكيه.. أو يحكيه صادقًا؟ ومن سواه يعلم أن موعد لقاء ربه قد حان.. وأن عليه الاستعداد مطمئنا راضيًا مرضيًا لرحلته لعالم أفضل.. كتب نصًا:

"رسالة.. وداع.. واعتذار..
أعتذر لكل الأصدقاء.. فقد توكلت على الله - سبحانه وتعالى - وبتوفيق منه.. أوقفت كتابة أية مقالات على صفحتى على الفيسبوك..

الأصدقاء الأعزاء.. أرجو التماس العذر لى لرغبتى فى الاستعداد وترتيب الأوراق لمقابلة الله تعالى.. وكم أشتاق لتلك المقابلة وهذا اللقاء؛ لأرتاح من حياة القلق والبؤس والمعاناة..

الأصدقاء الأعزاء.. لا أدعى أننى كنت ملاكًا فى الحياة الدنيا، وأيضا أظن أننى لم أكن شيطانًا.. كانت البساطة وحسن النية لدرجة السذاجة هى طريقى الذى سلكته طوال حياة الشقاء التى عشتها..

الأصدقاء الأعزاء.. هل تتذكرون مقالًا كتبته بعنوان "طبيب الفقراء.. فقير الأطباء".. نعم كنت أكتب عن نفسى.. وكان المقال بمثابة صرخة مكتومة أعبر فيها عن معاناة دائمة.. (لو دخل لص الشقة لن يجد ما يسرقه.. مصلحة الضرائب أبدًا لم تنظر له بعين الحقيقة والواقع.. أبدًا لم يكن يشكو أو يمتعض.. دائما يدعو ألا تشغل الدنيا قلبه وفكره.. قيمة ما يتحصل عليه أقل من ربع أو خمس ما يتحصل عليه غيره من الزملاء..).

الأصدقاء الأعزاء: أودعكم وأبتهل إلى الله أن يخفف عنى ويشملنى برحمته وغفرانه".

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة