رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

من المقرر أن تنطلق غداً انتخابات الجماعة الصحفية لاختيار نقيبها وستة من أعضاء مجلس النقابة ويكون النصاب مكتملاً إذا حضر نصف الأعضاء المقيدين بجداول النقابة زائد واحد ..وهو ما يقدر بأكثر من 6 آلاف صحفي فإذا تعذر التئام هذا النصاب أعيدت الانتخابات مرة أخري بعد نحو أسبوعين من تاريخ انعقاد الجمعية الأولي.

كثيرة هي تحديات المهنة ومشاكل أبنائها الذين كادت تعصف بهم الأحوال الاقتصادية القاسية من غلاء في مستلزمات الطباعة وتراجع في المقروئية وفي توزيع الصحف ومواردها من الإعلانات وغيرها وضعف أجور الصحفيين التي لم تعد قادرة علي الصمود في مواجهة هذا الغلاء. ناهيك عما أصاب الصحافة من تراجع مهني وكثرة الدخلاء عليها الذين تضاعفت أعدادهم بعد أحداث يناير بصورة كبيرة فاقت احتياجات المؤسسات الصحفية وخصوصاً القومية التي تصارع للبقاء. وهو الأمر الذي اضطر الحكومة للتدخل مراراً لإقالتها من عثراتها المالية حتي تستمر في أداء دورها التاريخي كصمام أمان للمجتمع وللدولة بحسبانها أهم روافد الأمن القومي.. وهو ما يطرح السؤال: إلي متي يظل هذا الوضع غير المريح للحكومة ولا للعاملين بتلك المؤسسات؟!

مهمة النقيب القادم ومجلسه لن تكون نزهة سهلة »بل مهمة ثقيلة تحتاج لروح قتالية وهمة عالية ورؤية نافذة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مهنة عريقة دار بها الزمان فتحول بها البعض من رسالة تنوير وتثقيف وضبط لتوجهات المجتمع وبوصلة للرأي العام إلي مجرد أكل عيش لكثيرين وسبوبة للبعض.

لا حاجة للقول إن إصلاح ملف الصحافة خاصة والإعلام بصفة عامة بات فريضة لا يمكن تأجيلها أو تسويفها مهما تكن المبررات » فقد ابتليت صاحبة الجلالة بأعداد غفيرة لم تكن- كما قلت- في حاجة إليها. وهي كثرة صارت وبالاً عليها» ذلك أن كثيراً منهم يفتقد ما يلزم من الخبرات والتدريب وربما يفتقد بعضهم للوازع الأخلاقي نتيجة المحسوبية والانتهازية والأبواب الخلفية التي تسلل منها هؤلاء الدخلاء إلي بلاط صاحبة الجلالة .ناهيك عن تراجع قيمها الأصيلة تراجعاً ملحوظاً تحت أقدام المنافسة الشرسة وتسارع التطور التقني الهائل لوسائل الإعلام ولاسيما السوشيال ميديا التي هبت رياحها العاصفة فأطفأت كثيراً من وهج الصحافة وتفردها.

ويحدونا أمل عريض أن تكون تنقية الجداول من هؤلاء الدخلاء ومنع تسلل أعداد أخري في المستقبل بالطريقة ذاتها علي رأس أولويات النقيب القادم ومجلسه..كما نرجو أن يتم وضع ضوابط جديدة لسد الأبواب الخلفية ووقف هذا التنامي المفرط والعشوائي في جسد الجماعة الصحفية المترهل أصلاً..وأن تتنادي النقابة والجهات المعنية لإدارة حوار مجتمعي لوضع كود أخلاقي للمهنة. يتواكب مع مستجدات العصر وتقنياته ويستلهم من تجارب النجاح حولنا روحها حتي ينهض بالصحافة وينقذها من انهيار متوقع إذا ما سارت علي الدرب ذاته. ويضعها من جديد علي طريق العودة لأمجادها وأدوارها التنويرية الرائدة كقاطرة للوعي العام ونافذة للرأي الموضوعي الملتزم بقضايا الأمة والوطن.

ومن هنا فإن نقابة الصحفيين وجهات الدولة المعنية مدعوة لعقد مؤتمر موسع يضم شيوخ المهنة وحكماءها وشبابها وممثليها لحماية قيمها الأخلاقية وإصلاح أحوالها وإعادة الاعتبار لتقاليدها العريقة حتي تعود الصحافة لسيرتها الأولي. عفية قوية ساحة للأدباء والمفكرين وليس مجرد مهنة لمن لا عمل له.

وقد ألزم الدستور المشرع بسن قوانين من شأنها إصلاح أحوال الصحافة وتذليل ما يعترضها من قيود ومن ثم فقد بات لزاماً علي الحكومة وهيئات الصحافة ومجالسها ونقابتها تقديم ما يلزم من دعم حقيقي لإعادة تأهيل العاملين في الصحف القومية وهيكلتها مالياً وإدارياً وتحريرياً واستثمار أصولها ودمج تلك الأصول في مشروعات استثمارية تدر عائداً متدفقاً يعوض خسارتها وشح مواردها من الإعلانات والتوزيع بصورة غير مسبوقة.

الصحافة في أبسط تعريفاتها هي رسالة مهمتها التنوير والتنبيه لمواطن القصور والخلل وعرض الرأي والرأي الآخر لبث الوعي في العقول والحفاظ علي مقومات الدولة ومصالحها العليا وإذا كانت المدنية الحديثة لا تكتمل مكوناتها من دون وجود صحافة قوية وإعلام ناهض فما بالنا بما تمر به مصرنا من ظروف اقتصادية صعبة وإرهاب جبان وتآمر وتحالف شيطاني خارجي وداخلي يستهدف استقرارها ومصالحها بلا هوادة ..وفي المقابل تتضاءل أعداد الملتزمين بقضايا وطنهم من الصحفيين والإعلاميين ويقل من يدركون الفارق بين أن تكون الصحافة أداة بناء ووسيلة إيقاظ وعي وبين أن تنحرف في سياق المصالح الخاصة والأجندات المعادية للوطن والسبق الإعلامي البراجماتي. داهسة في طريقها قيماً وتقاليد مهنية عريقة.

ما جدوي الصحافة ووسائل الإعلام إذا لم تتبن قضايا أمتها ووطنها . فإذا لم تكن لديك قضية تموت من أجلها- كما قال المفكر الإنجليزي كبلنج- فلا تستحق حياة وهبها الله لك.

تاريخياً ولدت الصحافة المصرية من رحم قضية كبري هي المطالبة باستقلال الوطن وطرد المستعمر وتعافي البلاد من الجهل والمرض والفقر والتخلف. وهي قضية حملها أساطين الفكر والقلم علي عاتقهم. أمثال أحمد لطفي السيد الذي كان شعاره الأثير " مصر للمصريين" وهو ما جاهدت صحيفته "الجريدة" لترفعه في وجه الاحتلال البريطاني والتركي..كما رفعت "العروة الوثقي" التي أنشأها المفكران العظيمان جمال الدين الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده ومن بعدها "لواء" مصطفي كامل شعاراً آخر هو "التنوير" لإيقاظ الشعوب العربية والإسلامية ودفعها علي طريق التحرر وتخليصها من الاستعمار.. وقد كانت أفكار هؤلاء الرواد ونضالهم نبراساً أضاء طريق الحرية والنهضة والاستقلال..ولم لا وقد قاتلوا في صفوف الجماهير وسقط من بينهم شهداء وهبوا أنفسهم طوعاً لقضايا بلادهم دون انتظار لمكاسب زائلة ولا مجد شخصي زائف. مؤمنين بأن الكل إلي زوال ولا يبقي إلا ما ينفع الناس ويرفع من شأن الوطن.

عاني الأفغاني ومحمد عبده ويعقوب صنوع آلام النفي.. وذاق العقاد والنديم مرارة السجن والاعتقال» دفاعاً عن الرأي وذوداً عن حرية الوطن..كانت رسالة القلم هي محركهم..كما كانت صحافة الزمن الجميل محراباً للتنوير وحصناً للوطنية..خلافاً لزماننا الذي انفتحت آفاقه عن تقدم تقني مذهل صادفه تردي قيمي وتراجع مهني يحمل لواءه صحفيون وإعلاميون أكثر عدداً وأقل أثراً ونفعاً..غابت عن أغلبهم معاني الرسالة السامية والتوافق حول أولويات الوطن وشواغله. وتنازعتهم أجندات شتي وأغراض متقاطعة وحسابات متناقضة..فجاء الاختلاف ليس علي أرضية الوطن كما هو مبتغي بل للأسف علي الوطن ذاته إلا ما رحم ربي..!!

ولست مبالغاً إذا قلت إن طائفة كبيرة من صحفيي اليوم وإعلامييه لا يدركون كم عانت صحافة الماضي لتصنع مجداً هم دونه علماً وعملاً. وصورة ذهنية مهيبة في أعين الجماهير ووجدانها..ولا يدرون كيف جاهدت الجماعة الصحفية الأولي لتنشيء هذا الكيان النقابي العريق الذي هم بصدد اختيار نقيبه وستة من مجلسه غداً..ليصبح صرحاً من صروح الرأي والفكر ومدافعاً عن الحريات بمعناها الأوسع حتي آل اليوم إلي أعداد غفيرة وكثرة كغثاء السيل زادت علي الاثني عشر ألف عضو. اكتسب كثير منهم عضويته في ظروف مريبة وبطرق ملتوية في غيبة الضوابط والمعايير المهنية.

مجد الصحافة وتاريخها المهيب لم ينشأ في فراغ بل جاء نتاج تضحيات ودماء ودموع ونضال مشرف ضد الاستعمار تارة وضد الفساد مرات ومرات. لتصنع للكلمة قدسيتها حتي نال الجورنالجي -وهو من يمتهن الصحافة- إجلالاً وإكباراً داخل مجتمعه ..والسؤال المهم: هل حافظ الصحفيون علي هذا السجل المشرف والتقدير المجتمعي أم تراجع كل ذلك . واتجهت أصابع الاتهام للصحافة بعد أحداث يناير بالتسبب في البلبلة وتراجع القيم وانحراف المسار وتهافت التناول والإغراق في توافه الأمور والانصراف عن أولويات الوقت وهموم الوطن ومستقبله..لقد بات التقدير المجتمعي لصحافتنا محل شك كبير بعد فقدان المصداقية وتراجع اهتمام الإعلام والصحافة بشواغل المواطن.

ما أكثر ما تعانيه صحافتنا اليوم من آفات ومصاعب أهمها في رأيي غياب التواصل بين الأجيال وانعدام تناقل الخبرات وغياب المعلم القدوة في المهنة وغياب قيم التنوير والتثقيف عن عقول كثير من حملة الأقلام وانصرافهم عن معارك الوطن في البناء والبقاء وحرب الإرهاب والتطرف والتصدي لقضايا الجماهير وأوجاعها الحقيقية.

ولا عجب أن تطفو الغوغائية والنفعية علي سطح صاحبة الجلالة وأن يقل المبدعون ويتلاشي صناع المجد والقيمة وأن تصبح الصحافة مهنة من لا مهنة له كالضوء يجذب الفراشات ثم تحترق بناره في النهاية..وهو ما يطرح سؤالاً مهماً: هل ينجح النقيب الجديد ومجلسه في إصلاح صحافتنا وإعادتها لجادة الصواب والمصداقية والتأثير الحقيقي واجتذاب جمهور جديد يؤمن بجديتها ورسالتها الحقيقية..هل تتحرك النقابة لاستصدار قانونها الجديد الذي أرجو أن يتبناه مجلسها ليكون عوناً للجماعة الصحفية في أداء واجباتها واستعادة هيبتها وتأثيرها في المجتمع وهل يجد قانون حرية تداول المعلومات طريقه إلي النور والذي من دونه يظل من الصعب ضبط منظومة الإعلام وتصحيح أخطائها.

الارتقاء بالرعاية الصحية للصحفيين وتوسيع مظلتها. وإتاحتها بأسعار تناسب دخولهم الضعيفة مطلب مهم ينتظر النقيب الجديد ومجلسه أيضاً ويبقي السؤال: هل تسهم نقابة الصحفيين وهيئات الصحافة والإعلام ومجالسها في عودة إعلام الزمن الجميل واستعادة وجهه المشرق وتطوير الأداء بمزيد من التدريب وتبادل الخبرات والتقويم المستمر لهذا الأداء حتي تعود الصحافة لمعدلات مناسبة في التوزيع والإعلانات لتتمكن من الوفاء بالتزاماتها دون انتظار دعم الحكومة .

رجاؤنا أن تكتمل عمومية الصحفيين غدا لتقرير مصيرهم واختيار من يمثلهم ويحمي مصالحهم وتقدم نموذجًا معتادًا في حرية الاختيار وشفافيته في عرس ديمقراطي نباهي الدنيا بنزاهته التي حافظنا عليها حتي في أعتي عصور التزوير.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة