يختلف تصور كل مواطن عن الدولة التي يحيا بها عن غيره خاصة في عالمنا العربي، فالمواطن الغربي يري دائمًا أن هناك ثمّة عًقد أو شراكة نديّة بينه وبين الدولة التي يحيا بها من خلال مجموعة من المواثيق القانونية، علاقة عملية بل شراكة عملية، أما عن تصور المواطن الشرقي فيتباين ذلك التصور بين البعض ويتأرجح بين حلم الدولة التي يجب أن تمنح المواطن كل شي من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات بدون أي مقابل من المواطن، وبين تلك العلاقة المتوازية بين المواطن والدولة، كالمواطن الذي يمتلك مجموعة من الأعمال والشركات مبتعدًا عن أي تفاعل مع الدولة.
أما عن الأغلبية، فكلنا نتصور أن علامة رغد العيش وجودة الحياة في الدولة هي انخفاض الأسعار فقط ! مع توافر السلع بكل أنواعها الأساسية والترفيهية والخدمات والمرافق الحكومية مقابل أسعار زهيدة، وهذا تصور غير واقعي، فلا يمكن أن يكون هناك دولة تستطيع توفير كل الخدمات مجانًا لشعب يتمدد وينفجر سكانيًا كل عام دون شراكة المواطن في بناء الوطن وسد ذلك العجز في تلك المعادلة الغير منصفة في حياة الوطن.
فعلى سبيل المثال:- لا تستطيع الدولة أن تخفض من أسعار السلع ولكنها تستطيع بقوة مؤسساتها أن توفر الكثير من مظلات الحماية والتي هي أكثر أمانا للمواطن، على رأسها الحماية الرقابية تليها الحماية الاقتصادية تليها الحماية الاجتماعية.
فلنا أن نتخيل مثلا السوق الاستهلاكية دون ضوابط تحكمها، دون رقابة، ودون حماية ودون ترشيد في الاستهلاك، ويعنى ذلك غياب أي نوع من أنواع الرقابة على معايير الجودة في المنتج، غياب كل أنواع حماية حقوق المستهلك، فيٌترك المواطن بمفرده لمواجهة مخاطر الاستهلاك المتمثلة في تحمّله لأى عواقب أو مخاطر من سوء تصنيع أو خدمة ما بعد البيع وغياب حقه في الحصول على الضمانات الأزمة.
وهنا قد يتكبد المواطن عبئ أكثر من ثمن واحد للمنتج حتى وان كان المنتج ذاته سعره ليس باهظًا، ولكن دون حماية حق المستهلك والواجب الرقابي للدولة على السوق لا تستطيع الدولة أن تقوم بحماية المواطن وهنا يتجلى وجه من أوجه الدولة الحقيقية.
تأتى المظلة الاجتماعية أيضًا في قائمة أدوار الدولة الحقيقية وهى مظلة في غاية الأهمية والتي تستطيع توفير و استدامة السلع الأساسية خاصة الغذائية والدوائية لكل أسرة مصرية حماية من أي عامل أو حدث قد يمس تلك الأساسيات.
أما عن المظلة القانونية وتقليم أظافرها وتعديل حيثياتها من حين لآخر وتطبيقها الفعلي حتى تصبح كيان قانوني محايد غير منحاز يؤكد على مدنية الدولة والمواطنة ويقطع الطريق على أي تعدي معنوي أو أي فعل قد يتجاوز أو يضر بمساحة أي مواطن آخر، فذلك هو دور آخر لمعنى الدولة الحقيقية والذي يؤكد سيادة الدولة.
أن الدولة ليست قطعة أرض نحيا بها لننتزع منها المتطلبات والخدمات بأقل الأسعار فقط ولكنها مجموعة من المؤسسات الأم التي تنظم التفاعل بين المواطنين، وبينهم وبين تلك المؤسسة التي تعمل في شراكة لصالح المواطن بنظام ومعايير ومجموعة من مظلات الحماية.