معا للمستقبل
* توفر المعلومات الموضوعية الدقيقة والتفصيلية شرط اتخاذ أي قرار سليم.. في كل الدنيا» ولا عجب أن نجد الغرب يقول : Knowledge is power "المعرفة قوة" ذلك أنها تتيح لصانع القرار حرية الحركة بين البدائل بسهولة ويسر.. وليس أدل علي ذلك من أن أهم أجهزة الدول. وهي الاستخبارات مهمتها الأولي جمع المعلومات وتصنيفها ووضعها بين يدي مسئولي الدول لاتخاذ قرارات مصيرية يصعب اتخاذها في غيبة المعلومات التي هي مصباح الرشاد.
ولست أدري لمَ أغفل مركز معلومات مجلس الوزراء وهو الذي كان حريصاً فيما مضي علي إصدار تقارير واستطلاعات رأي دورية كاشفة بعمق عما يختمر في التربة المصرية من أحداث واتجاهات للرأي العام.. لا أدري لماذا لم يصدر مع بزوغ فجر عام جديد كتاباً سنوياً جامعاً لأهم ما دار في مصر من أحداث وقضايا شغلت الناس واستحوذت علي اهتماماتهم في المجالات كافة. بدءاً بالمؤشرات الكلية للاقتصاد وانتهاء بمجريات السياسة وتطوراتها في الداخل والخارج وما تشهده من نقلة نوعية غير مسبوقة.. ومدي رضاء المواطن عن أداء حكومته وبرلمانه ليبدد سحب الدخان التي تتسبب فيها قنوات الشر ومواقع الإفك التي لا تتواني عن الصيد في الماء العكر لتأليب الرأي العام وإشاعة حالة من الإحباط واليأس بين المواطنين.
كنت أرجو والحال هكذا أن يرصد مركز معلومات مجلس الوزراء نبض الشعب عبر استطلاع رأي حر يقيس من خلاله أداء الحكومة وزراءها ومحافظيها ومجلس النواب والأحزاب وشتي فعاليات المجتمع ومؤسساته حتي يكون الشعب علي بينة مما يجري في واقعه. وما ينتظره في المستقبل.. استطلاع رأي يرصد الإنجازات التي تحرزها الدولة ورئيسها في كل موقع علي أرض مصر .. ومدي إلمام المواطن بها. وإيمانه بجدوي الإصلاحات التي أثرت بلا شك عليه وتحمل ولا يزال جانباً كبيراً من تداعياتها بل إنه بشهادة الرئيس السيسي هو البطل الحقيقي في معركة البناء والبقاء ودحر الإرهاب.
لقد اجتازت مصر مرحلة هي الأصعب في تاريخها. مرحلة اضطربت فيها دول المنطقة اضطراباً عظيماً لم تشهده ربما في تاريخها كله.. لكن مصر بفضل وعي شعبها وقيادتها نجت مما كان يحاك لها في الظلام من مؤامرات .. وها هي استردت عافيتها وهيبتها ودورها الفاعل في قضايا المنطقة والإقليم.. وانتقلت لمرحلة البناء وجني الثمار.. ومن ثم كان مهما أن يصدر كتاب كهذا يعد مرجعاً راصدا بأمانة وشفافية حقيقة ما نحن فيه. ما وقع من سلبيات وأخطاء وما أنجز من مشروعات ونجاحات» لكننا مازلنا نفتقد مثل هذا النوع من الكتب والاستطلاعات. وحتي لا نجافي المنطق فثمة جهاز وطني علي درجة عالية من الأهمية. وهو جهاز التعبئة العامة والإحصاء الذي يقدم معلومات جري جمعها ومعالجتها بأعلي درجات الإجادة والتوثيق ويمكن الوثوق بها لرسم ملامح الواقع بشتي أبعاده ومكوناته.. لكن رصد الحوادث اليومية والقضايا المتغيرة بشتي درجاتها لا يدخل في اختصاص هذا الجهاز الوطني الرصين.. وكنا نرجو لو قام مركز معلومات مجلس الوزراء بسد هذا النقص علي أسس علمية مدروسة لا تكتفي بسرد الحدث مجرداً بل تقدم معه تحليلات معمقة واستنتاجات علمية ترسم خارطة طريق للمستقبل كما تفعل مراكز الأبحاث المرموقة في كل الدنيا والتي لا تترك شاردة ولا واردة دون رصدها والوصول لحقيقتها.
ورغم أن مصر عرفت مراكز استطلاع رأي مستقلة لكن العجيب أن أحدها قام للأسف باستطلاع رأي حول توافه الأمور من عينة أحسن لاعب. أو أحسن فنان.. وكان حرياً به لو أنفق جهده وموارده فيما يجدي وينفع الوطن والمواطن ويمس شواغلنا وهمومنا وطموحاتنا في غدي أفضل.
استطلاعات الرأي الجادة لم تعد في رأيي ضرباً من ضروب الترف بل صارت ضرورة وفريضة يفرضها الحراك المتنامي الذي يشهده مجتمعنا. والإيقاع المتسارع والدرامي للأحداث داخلياً وخارجياً» فلم تعد السياسة غائبة عن أحد بفضل ما تغمرنا به "السوشيال ميديا" من أخبار ومعلومات ومغالطات وشائعات لا تجد في كثير من الأحيان من يفندها ويتصدي لها في وقتها.
كنا نرجو لو خرج علينا استطلاع رأي حقيقي يجيب عن كافة تساؤلات الشارع وما يختلج في النفوس من أماني ومخاوف. وما يسود من انطباعات وتصورات صيغت في غيبة المعلومات الصحيحة.. استطلاع كان بوسعه أن يجيب مثلاً عن تساؤلات مثل: هل عبر اقتصادنا مرحلة الخطر.. وما وضع الاستثمارات المحلية والخارجية.. هل زادت معدلاتها أم تراجعت.. وما مدي جاذبية بيئة الاستثمار في مصر.. أهي جاذبة لرأس المال الأجنبي أم طاردة.. وهل أدي قانون الاستثمار الجديد لتحسن ذلك المناخ.. وماذا عن التعليم والصحة.. هل وضعت المبادرات المختلفة يدها علي الخريطة الصحية لمصر.. وأسهمت في إنعاش الصحة المعتلة.. وماذا عن معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة وخصوصاً فيروس سي الذي وفرت الدولة الكشف عنه وعلاجه بالمجان .. وماذا عن قائمة انتظار العمليات الجراحية التي وجّه الرئيس السيسي بضرورة الانتهاء منها في أسرع وقت ممكن.. هل تحسنت منظومة الصحة في ظل الخطط والبرامج المطروحة أم لا تزال تحتاج لمزيد من الجهود حتي تؤتي ثمارها. ولاسيما فيما طرحه الرئيس من مبادرات يأتي علي رأسها مبادرة "100 مليون صحة" التي فحصت حتي الآن أكثر من 27 مليون مواطن في شتي ربوع مصر.. وماذا عن التعليم وعجزه عن مواكبة سوق العمل ومتطلبات التنمية المستدامة.. وماذا عن برامج التطوير والتغيير والترشيد التي بدأت الحكومة في تنفيذها.. هل تراجعت معدلات الإنفاق العام.. أم زادت.. وماذا عن الصادرات المصرية وقدرتها التنافسية في الأسواق العالمية وحجم التجارة البينية مع الدول الأخري.. وهل يميل الميزان التجاري لصالح مصر أم لصالح الخارج.. وماذا عن عوائد الضرائب.. هل هي نتاج إنتاج حقيقي يكسبه رجال الأعمال والمواطنون علي اختلاف درجاتهم أم هي مجرد جباية تفاقم أعباء الناس وتنتقص من قيمة الأصول والممتلكات .. وماذا عن الاقتصاد الموازي الذي يكاد يعادل الاقتصاد الرسمي.. وهل نجحت جهود الحكومة لإدماجه ضمن اقتصاد الدولة التي تستمد قوتها من قوة اقتصادها وتعليمها وإنتاجها وجيشها وتماسك جبهتها الداخلية.
لاشك أن القوة الحقيقية لأي اقتصاد إنما هي مستمدة بالأساس من الزيادة الفعلية في الإنتاج. سواء أكان صناعياً أو زراعياً أو معرفياً أو خدماتياً.. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا علي أرضية صالحة من تعليم مبدع وبحث علمي مثمر وخدمات صحية راقية قادرة علي تجنيب الدولة والمجتمع مزيداً من الهدر والخسائر في الأرواح والأموال.
ظني أن الدولة فتحت كل الملفات ووضعت يدها علي مواطن القصور والخلل في منظومتي التعليم والصحة.. وعلي الحكومة أن تبادر بعلاج جذري لجوهر المرض - أي مرض- ومسبباته الحقيقية بالتوازي مع علاج آثاره وعوارضه» فالفشل الكلوي والكبدي الوبائي أيضاً يتسبب فيهما علي الأرجح ملوثات الغذاء والماء وانتقال العدوي في غرف العمليات وعيادات الأسنان.. فماذا فعلت الحكومة للوقاية من المرض. ومعالجة التلوث الذي تتفوق مصر في معدلات الإصابة به عالمياً.
كنا نأمل لو صدر مثل هذا الكتاب مرفقاً به استطلاع الرأي سنوياً وبصحبتهما دراسة علمية محكمة تكشف باستفاضة حقيقة أوضاعنا كلها علي مدي عام كامل مضي. ليكون بمثابة عبرة وعظة ومرشد يأخذ بأيدينا لتعظيم الإيجابيات وتجنب السلبيات. ليزداد تجاوب الناس مع القضايا المطروحة والمبادرات الجارية بقناعة وحماسة تضمن لها النجاح في ظروفنا الراهنة التي تحتاج إلي توافق مجتمعي يثمر بدوره مشاركة حقيقية وجادة ومستديمة.
كنا نرجو أن تسترشد الحكومة برأي المواطن كما يفعل الرئيس السيسي الذي لا يكف عن اختراق حاجز الرسميات والبروتوكولات ليقابل وجهاً لوجه مواطنا أو مواطنة من الكادحين بين الحين والآخر ليطلع علي أحوالهم ومدي رضائهم عما يجري علي أرض مصر. تطلعاً لأن يكون هذا المواطن جزءاً من الحلول وليس كما هو المعتاد جزءاً من المشكلات.
كان يمكن لاستطلاع رأي أو دراسة كهذه لو قام بها مركز المعلومات أن تجيبنا عن أسئلة تكشف رغم بساطتها عن عمق ما يدور في المجتمع.. فمثلاً نريد أن نتبين هل يعرف الناس أسماء الأحزاب ودورها إذا كان لها دور أصلاً. وهل باتوا يعرفون أحداً ممن يسمون أنفسهم "نخبة".. وهل يعرفون الوزراء والمسئولين كمعرفتهم بالفنانين ولاعبي الكرة.. وهل يستطيعون الوصول إليهم أو حتي لمساعديهم بسهولة حين تقع لهم مشكلة.. وكم مرة التقي هذا الوزير أو ذاك المحافظ بالجماهير علي أرض الواقع.. أو حتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. هل استمع لشكاواهم وحاورهم بنفسه أو كلف أحد مساعديه بذلك.. وما درجة استجابته لمطالبهم.. وهل للوزارات وأجهزتها المختلفة مواقع إلكترونية يسهل الدخول عليها وإدارة حوار متبادل مثمر بين المسئولين والجماهير.. أم أنها مجرد مواقع ديكورية من باب الوجاهة والديكور.
وإحقاقاً للحق فإن المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الزميل هاني يونس يضطلع بدور نشط في الاتصال الجماهيري حيث إنه بمثابة حلقة وصل مهمة بين رئيس الحكومة والجماهير. يوضح قرارات مجلس الوزراء ويرد علي شكاوي الجماهير واستفساراتهم بدأب واهتمام كبيرين لتحقيق التفاعل المنشود.
كنا نرجو لو قال لنا استطلاع مركز المعلومات من أكثر الوزراء والمسئولين تنفيذا لوعوده ومن أقلهم التزاماً بذلك.. كم وزيراً يدرك الفارق بين وجود الحقائق وإدراك الناس لها .. من أكثرهم إقناعاً للجماهير بإنجازاته الحقيقية علي الأرض.. كم وزيراً تحلي برؤية سياسية عند التعامل مع الأزمات .. ومن هم الذين أداروا ظهرهم لها.. كم وزيرا أضاف لموارد الدولة من بنات أفكاره.. ومن هم الذين أغرقتهم تفاصيل العمل الروتيني وإمضاء "البوستة" المعهودة.. كم وزيراً يتابع باهتمام ما تنشره وسائل الإعلام من مشكلات تقع ضمن اختصاصات وزارته .. ومن هم الذين تعاملوا مع الإعلام بمنطق "ودن من طين وأخري من عجين".. كم وزيرا يسر معيشة الناس فأحبوه ورضوا عن أدائه وتمنوا بقاءه في الوزارة.. ومن هم الذين لا يطيق الناس سماع أسمائهم.. وماذا عن رجال الأعمال ومساهماتهم في تنمية مجتمعهم.. وماذا عن أداء نواب البرلمان.. وماذا عن تجديد الخطاب الديني والإعلامي.
في رأيي أن مثل هذه الاستطلاعات تنفع ولا تضر. تزيد مساحة الشفافية والوعي وتساعد علي اتخاذ القرارات السليمة وتحقق المكاشفة التي يحرص الرئيس السيسي علي تكريسها في كل مناسبة حين يفتح قلبه للناس ولا يخفي عنهم شيئاً يتعلق بواقعهم ومستقبلهم »إيمانا منه بأن وعي المواطن هو الصخرة التي تتحطم عليها أكاذيب أهل الشر ومخططاتهم الخبيثة.. فهل أدرك المسئولون أهمية المكاشفة والشفافية وحرية تداول المعلومات والحقائق.. ؟!