رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

* أمر طبيعي أن يستوقف الرئيس السيسي الوزراء والمحافظين وأي مسئول صغر أو كبر ليسأله عن تفاصيل وظيفته وما أسند إليه من مهام ليس من باب الإحراج ولا السخرية والتهكم كما حاول البعض بسوء نية واضح تصوير ما جري مع محافظ القاهرة الذي استوقفه الرئيس موجها إليه عدة أسئلة تبدو طبيعية جداً لا مبالغة فيها ولا غموض. لأنها تقع ضمن اختصاصاته الأصيلة كمحافظ للعاصمة بل من باب التأكيد علي أن المسئول - أي مسئول- ينبغي أن يكون ملماً بكل تفاصيل وظيفته حتي أن الرئيس نفسه قال في مداخلته مع اللواء خالد عبد العال : أنا حافظ مصر حتة حتة ولا بد أن يكون لدي المسئول سياق لوظيفته. ويجب أن يعلم كل جنيه يدخل لديه ويخرج من عنده. لتكون لديه خلفية دقيقة حين يتحدث مع المواطنين.. إذن الغاية من أسئلة الرئيس واضحة لا لبس فيها وهي رسالة سياسية بالأساس. مفادها أن يكون كل مسئول ملما بأرقام و حقائق وملابسات وظروف وظيفته وما يتم تنفيذه من مشروعات في حدود مسئوليته حتي يكون جاهزاً لاتخاذ القرار السليم والرد المقنع علي أسئلة المواطنين والتواصل الفعال معهم. وإقناعهم بما يتحقق من إنجازات وما نواجهه من عقبات وتحديات حتي لا نترك الشارع عرضة للبلبلة والشائعات التي تروجها جماعات الشر والإرهاب ومن دار في فلكهم .. ولم يكن محافظ القاهرة - وهو قطعاً ممن يملكون سيرة ذاتية ناجحة في مواقع أخري تولاها قبل منصبه الحالي- لم يكن ولن يكون آخر مسئول يوجه إليه الرئيس أسئلة علي الهواء مباشرة بل شهدنا من قبل مواقف مشابهة مع وزراء ومحافظين آخرين »بل إن الرئيس سأل شيخ الأزهر نفسه في أكثر من مناسبة دينية عن تجديد الخطاب الديني في مواجهة خطاب التطرف والتشدد والغلو.
* يحدوني أملى عريض أن تكون رسالة الرئيس وهي سياسية بامتياز قد وصلت للمسئولين في قطاعات الدولة كافة ولكل من يتصدي لخدمة الجماهير حتي يفهموا مغزي كلام الرئيس وغايته. ويجتهدوا في مواقعهم ويدركوا حجم مسئولياتهم وما تتطلبه وظائفهم من إلمام بكل صغيرة وكبيرة وحتي يكونوا جاهزين لمواجهة ما يقابلهم من مشكلات وتحديات بحلول عملية ناجعة تستأصل الآفات والعقبات من جذورها وتمهد الطريق نحو الرضا الجماهيري الذي لن يتحقق إلا إذا شعر المواطن بأن الحكومة ما جاءت إلا لراحته والسهر علي مصالحه وتيسير سبل معيشته والارتقاء بحياته اليومية حتي يحصل علي خدمة آدمية تنهي ميراثا سياسيا قديما مؤلما مع البيروقراطية التي ذاق المواطن بسببها العذاب ألواناً مع كل خدمة حكومية أراد الحصول عليها.
ولن يتحقق ذلك بين عشية وضحاها.. صحيح أن الرئيس يسابق الزمن لميكنة الخدمات الحكومية وتعزيز المحتوي الرقمي وتوطين التكنولوجيا حتي ينتهي الروتين وتجف روافد الفساد وينتهي عذاب المواطن مع موظفي الحكومة .. لكن النجاح المأمول في ذلك الطريق المبشر الذي قطعنا فيه شوطاً كبيرا يحتاج قطعاً إلي مسئولين ذوي حس سياسي. يدركون مقتضيات المسئولية السياسية وحدودها في حركاتهم وسكناتهم» في تصريحاتهم أو تجاهلهم لما ينتشر حولهم من شائعات وأكاذيب لم تجد من يتصدي لها في وقتها بالحجج والبراهين حتي كاد الناس يصدقونها ويقعون أسري لها.. وهنا نحتاج إلي مسئولين يضعون نصب أعينهم فكر الرئيس وحجم طموحاته في كل عمل ومشروع وإنجاز وكل ملف يجري اقتحامه سواء في مجال الصحة أو التعليم أو الفكر الديني أو الإعلام والاقتصاد.. فتلك الملفات حتي وإن بدت في ظاهرها احتياجا معيشياً أو عملا روتينيا لكنها في باطنها عمل سياسي بالدرجة الأولي» فالإصلاح الاقتصادي مثلاً كان لابد منه لإنقاذ مصر من الإفلاس الذي كنا قاب قوسين أو أدني من الوقوع فيه لولا تلك الإجراءات التصحيحية القاسية.. وما مشروع الصوب الزراعية الذي افتتح الرئيس إحدي مراحله منذ أيام إلا قرار سياسي أريد به تحقيق الأمن الغذائي عبر الاكتفاء الذاتي من المحاصيل والفواكه والخضراوات بجودة أعلي وأسعار تنهي فوضي السوق وتوقف جشع التجار وتضرب الاحتكار.. فمثل هذا المشروع وغيره من المشروعات القومية كما قال الرئيس السيسي سوف تجعلنا ننتج غذاءنا لنأكله أولاً ثم نصدر ما يفيض عن حاجتنا إن كان هناك فائض.. والأهم أنه غذاء آمن خالي من الكيماويات.
وإذا نظرنا لمشروع قومي آخر كشبكة الطرق الكبري والكباري التي يجري تشييدها بطول البلاد وعرضها فإنه مما يدخل في صميم أمننا القومي» ذلك أنها بمثابة شرايين للتنمية والتعمير التي لا غني عنها لأي تقدم حقيقي أو نهضة مثمرة.. الأمر ذاته ينطبق علي المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي توليها الدولة أهمية قصوي اليوم بحسبانها قاطرة التقدم الاقتصادي .. فكم أسهمت تلك المشروعات علي صغرها في تبوء دول كانت مثلنا وربما أقل منا لمرتبة الصدارة الاقتصادية عالمياً» كما أنها وسيلة مهمة لامتصاص البطالة وتوليد الثروة ومضاعفة الإنتاجية في مجالات شتي.
وقس علي ذلك ما أنجزته الدولة في قطاع الكهرباء والطاقة عبر إنشاء محطات عملاقة شيدتها شركة سيمنز العملاقة وغيرها في أماكن كثيرة بمصر حتي تمكنا من التغلب علي معضلة انقطاع التيار وهروب الاستثمارات الأجنبية في السنوات التي أعقبت 25 يناير بسبب عدم تأمين حاجتها من الطاقة حتي جاء الرئيس السيسي بهمة وإرادة ليصنع إنجازا عملاقاً في "الكهرباء" وكذلك الغاز الطبيعي الذي نجحت مصر بالفعل في تحقيق اكتفاءها الذاتي منه وتستعد لتكون مركزاً إقليميا للغاز الطبيعي اعتماداً علي ما تملكه من احتياطيات هائلة من الغاز. ناهيك عن محطات الإسالة وخطوط التوصيل إلي أوروبا والدول المحيطة.
أليس حل مشكلة الخبز الذي اختفت طوابيره وضحاياه بعد دخول المنظومة الذكية حيز التنفيذ وتوفير السلع التموينية الأساسية للمواطن عبر بطاقات ذكية منعت كثيراً من أوجه الهدر والفساد في ملف الدعم.. وكذلك مشروع الإسكان الاجتماعي الذي وفر ما يقرب من مليوني وحدة سكنية. ناهيك عن تطوير العشوائيات ومنح المواطن الفقير وحدات سكنية كاملة الأثاث والأجهزة الكهربية وما حققته مبادرة "100 مليون صحة" لعلاج فيروس سي والكشف علي الأمراض غير السارية من نجاح يجعلها تجربة غير مسبوقة تنفرد بها مصر عالمياً.. وكذلك القضاء علي قوائم انتظار العمليات الجراحية والدعوة للاهتمام بالصحة وجعل التربية مادة أساسية بالمدارس والجامعات ثم توجيه الرئيس ببناء مسجد وكنيسة في كل منطقة جديدة.. ألا يعد ذلك كله حراكاً سياسيا يبشر بمستقبل أفضل يحتاج من جميع المخلصين أن يلتفوا حوله ويستمسكوا به في يومهم وغدهم.
لاشك أن تنمية البشر أهم ركائز أي نهضة مأمولة هدفها إعادة بناء الإنسان المصري الذي جري تجريفه عقوداً طويلة. بنائه صحياً وتعليمياً وروحياً حتي يملك رؤية ووعياً صحيحاً يمكنه من الفرز والاختيار وإدراك ما يجري حوله وهو ما يسعي إليه الرئيس ويحرص علي تحقيقه بإرادة لا ترتضي عنه بديلا.
لكن ينبغي الاعتراف بأن مشكلتنا هنا إدارية بامتياز بدليل ما نعانيه من أزمات عند كل تشكيل وزاري أو مجلس محافظين أو اختيار من يصلحون للمناصب القيادية نظرا لغياب أي دور سياسي فعال للأحزاب ومؤسسات التنشئة السياسية التي هي مفرخة للكوادر السياسية والإدارية في كل الدنيا بينما هنا لا ندري عنها شيئاً إلا اسمها ومقرها أو صحيفتها في أحسن الأحوال.. وكيف تفعل ذلك وهي أصلاً لا تمارس الديمقراطية في أروقتها ولا بين كوادرها إلا فيما ندر الأمر الذي يفسر لنا عزوف النخبة عن تولي المناصب السياسية والذي يعكس عمق ما تعيشه مصر من أزمة تسبب فيها التجريف الذي ضرب الشخصية المصرية منذ عقود ونجني اليوم حصاده المر.. فلا حكومات التكنوقراط الفنيين أفلحت في حل الأزمات المزمنة ولا نجت حكومات رجال الأعمال من آفة تزاوج المال بالسلطة الذي زاد الفقراء فقراً والأغنياء ثراء وفسادا.. وفسد المال وما انصلحت السياسة.. كما جربنا تجار الشعارات الدينية بعد الانتخابات التي جرت في أعقاب يناير 2011في تجربة فاشلة رفضها المصريون في ثورة 30 يونيو.. وهي تجربة لا تزال مصر تدفع ثمنها غاليا.. ولا أعتقد أن شيئا من هذا أو ذاك يصلح للمرحلة الحالية فلا المزاج الشعبي يقبل ولا القيادة السياسية ترضي باستنساخ تجارب الفشل والاحتقان ولا ظروفنا تحتمل مزيداً من الهدر وإضاعة الفرص.
قليل هم الوزراء السياسيون الذين عرفتهم مصر ومن ثم فلا عجب أن تغيب السياسة والرؤية وتتراكم الأزمات وتصبح المناصب العليا طاردة للكفاءات.. كما لا تعترف ثقافتنا بتولي غير المتخصصين منصب الوزير كما يحدث في دول كبري لا تشترط أن يكون وزير الداخلية ضابطاً مثلاً ولا وزير الصحة طبيباً.. المهم عندها هو من يمتلك القدرة علي الإدارة والرؤية الخلاقة والحس السياسي والإخلاص للوطن ثم يترك التفاصيل التي يغرق فيها وزراؤنا لمساعديه من التكنوقراط الأكفاء .. وما نجاح السياسة في تلك الدول إلا لوجود أحزاب ناجحة ومدارس متقدمة في الإدارة يتخرج فيها من يصلحون لأي منصب سياسي.. الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً: هل ثمة من يدرس أسباب العزوف عن تولي المناصب السياسية عندنا.. وهل بدأنا علاج مثل هذه الآفة الخطيرة.. وهل بدأنا بناء طبقة أو نخبة سياسية جديدة قادرة علي تسلم زمام القيادة حال خلو المناصب.. وهل ثمة محفزات وإصلاحات تشريعية تجفف منابع أي فساد محتمل. وتنهي ظاهرة الأيدي المرتعشة عند اتخاذ القرارات المهمة حتي لا تتعطل المراكب السايرة.
أحسب أن القيادة السياسية تدرك كل هذه المخاطر وقد بدأت منذ فترة في علاج أسبابها باستحداث أجهزة ومؤسسات يمكنها تخريج كوادر شابة تصلح للعمل السياسي والإداري بجميع مستوياته مثلما نري في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة والأكاديمية الوطنية للتدريب ناهيك عن المنتديات الشبابية حتي تتعافي الأحزاب وتنهض بوظيفتها المفقودة وحتي لا نعطي الفرصة للمتآمرين لتمزيق البلاد واللعب علي مشاعر البسطاء وإساءة العلاقة بين الشعب وحكامه.. صدقوني.. مصر تتغير إلي الأفضل فقط نحتاج مزيداً من الوعي والصبر للعبور للأحسن وهو قادم.. قادم إن شاء الله.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة