رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معا للمستقبل

* الكلمة أمانة.. وللقلم رسالة أخلاقية رفيعة يجب الحفاظ عليها والسمو بها فالله تعالي رفعها مكاناً عليا حين سمي في قرآنه سورة باسم القلم .وجعل ما نكتبه أو نقوله أو ننشره من أفكار وآراء أو معلومات وأخبار شاهداً علينا أو لنا يوم القيامة. وهو ما يضاعف مسئوليتنا الأخلاقية فالكلمة قد تنفع أو تضر.. قد تغتال السمعة أو تدافع عن الحق.. قد تصنع وطنًا حرًا أو تعرقل مسيرته وقد آن الأوان لتصحيح أوضاعنا في الإعلام والصحافة .وأن يتوقف هذا العبث والملاسنة والجدل في قضايا هامشية بينما الأولويات الحقيقية مهجورة لا تجد من يركز الضوء عليها حتي يضعها أولو الأمر موضع التنفيذ.
وثمة فارق كبير بين أن يقدم أصحاب الأقلام وأرباب الكلمة مسموعة أو مرئية أو مكتوبة ما يحبه الناس وما يحتاجون إليه. فليس كل ما يطلبه الجمهور ينفع الوطن والمجتمع. فما تميل إليه النفس هو ما درجت عليه. وتشكل وفقاً له وجدان المتلقين ومنظومة قيمهم وأخلاقهم ومثلهم العليا وبقدر ما يحسن أصحاب القلم تناول القضايا والأولويات الوطنية بقدر ما يتشكل رأي عام فاهم ومستنير وقادر علي التغيير والتطوير ومسايرة العصر والحفاظ علي الهوية والمصالح العليا للأمة.. أما حين يتجردون من الفضيلة ومن قيم الولاء والإخلاص للوطن. وتتنازعهم الأهواء والمطامع فإنهم يصبحون وبالاً علي أوطانهم ومعول هدم للقيم وتشويش للأذهان. واستنزاف للعقول.. ويجعلونها بيئة خصبة لنمو الشائعات والخرافة والجهل والتطرف والانقسام والوهن.. ولعل ما رأيناه في سنوات ما بعد يناير كان نتاجاً لإعلام انفلتت أخلاقه وضاعت بوصلته وغاب ضميره حتي أن بعض من يفترض أنهم طليعة المجتمع من حملة الأقلام أسهموا - بقصد أو دون قصد- في تعريض البلد وما حولها للخطر والفتن لولا أن عناية الله سبقت وكلمته نفذت وجمعت قلوب المصريين علي ثورة 30 يونيو التي صححت المسار واستعادت الدولة من براثن الفوضي والاحتراب الأهلي الذي كاد يدخلها إلي نفق مظلم.
* القلم مسئولية وأمانة أخلاقية بامتياز قبل أن تكون وظيفة أو "أكل عيش". وليس علي أصحاب القلم والفكر سلطان إلا ضمائرهم وما تمليه عليهم مصالح أمتهم ومجتمعاتهم وما تقتضيه معايير وواجبات ومواثيق شرف مهنتهم.. تري إلي أي حد تتحقق تلك المفاهيم والمعايير الموضوعية الواجبة للإعلام في أيامنا هذه.. وهل تنهض النقابات المعنية بواجبها في الحفاظ علي تقاليد مهنتها وأصولها وحمايتها من شطط البعض وأطماعهم.. وإذا رعي أصحاب الأقلام بعضهم أو طائفة منهم أمانتهم حق رعايتها فهل يلقون التكريم والحفاوة اللذين يحظي بهما أهل الفن والغناء وربما أهل الرقص.. ؟!
خطورة الكلمة وقداسة القلم الذي أقسم به الله في كتابه الكريم تنبهنا إلي حقيقة لا تخفي علي أحد. وهي أن للكلمة تأثيرا مدوياً وخطيراً في العقول والأفهام والسلوك والأفعال تفعل فعلها في المجتمع بأكمله حتي أن الله تعالي حذرنا من خطورة تلقي الأنباء دون تمحيص أو تمعن وتدبر حيث قال في كتابه الكريم: ¢يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين".. هذا فيما يخص الكلمة المسموعة فما بالنا بخطورة الكلمة المكتوبة الموثقة التي تبقي في وعائها راسخة تتداولها الأيدي وربما الأجيال.
* ويبدو طبيعياً في وضع كهذا أن تتضاعف المسئولية الأخلاقية الملقاة علي عاتق أصحاب الأقلام.. وبقدر ما يحيط بهم من هالات التقدير والاحترام في مجتمعاتهم بقدر ما هم علي خطر عظيم في دنياهم وأخراهم علي السواء لو كانوا يعلمون.. ويكفي أن الله عزّ وجل أقسم بما يسطرون لخطورة ما يطرحون من أفكار وآراء ورؤي وما يتصدون له من قضايا وهموم وظواهر تشغل بال الأمة وتحظي باهتمامها. الأمر الذي يجعلهم بمثابة عقل الأمة وبوصلتها التي يهتدي بها الناس لاسيما في أوقات المحن و ظلمات البلبلة والشائعات التي من شأنها إحداث الفرقة والفتنة والانقسام ونشر الإحباط وتوهين العزائم.. فما يسلطون عليه الضوء ينجلي ويسطع وما يعرضون عنه يعتم ويندثر.. يقوي المجتمع وتشتد عزيمته إذا ما شغلوا الناس بواجبات الوقت وأولوياته الحقيقية من تقدم وتطور وقوة.. ويضعف المجتمع وتفتر عزيمته وتخور مقاومته ومناعته إذا ما جرجروه إلي توافه الأمور وسفاسفها. وأغرقوه في متاهات الجدل العقيم والسجال السقيم الذي لا خير فيه ولا طائل منه.. وهنا قل علي الدنيا السلام فلا خير فيهم ولا رجاء.
وحين أقسم الله بالقلم فإنه أعلاه منزلة ورفع أصحابه مكانًا علياً.. لكن أي الأقلام تستحق الرفعة والتوقير.. وأيها يستحق الرجم والتحقير.. وهل يستوي المخلصون المنصفون والمغرضون المنافقون.. هل يستوي من يثبتون علي الحق ويتحرون الصدق ومن يروجون للباطل وينتهجون الخداع والمغالطة سبيلاً.. مَنْ يشغلون الناس بالغيبة والنميمة والتجريح والفتن.. من يرسمون للوطن أولوياته خطوطاً مستقيمة لا عوج فيها ومن يتاجرون بآلام المواطن ويزايدون علي مصالحه.. من يلتمسون الموضوعية والأمانة والمهنية مهما تكلفهم من تعب ومشقة ومعارك ضارية.. ومن يشيعون الكذب ويروجون الشائعات ويرتدون ثوب النفاق.. من يؤدون أمانة الكلمة ويدفعون ضريبة مواقفهم المساندة للعدل والحق ومن يستسهلون التهليل للباطل ومهادنة الفساد خوفاً وطمعاً.. من يهدون الناس إلي سواء السبيل ومن يضلونهم ويلبسون الحق بالباطل.
* ولأن الحق كما قال الإمام علي كرم الله وجهه ثقيل والباطل خفيف فإن أصحاب الأقلام الشريفة ليسوا الكثرة الغالبة بل قلة يشار إليهم بالبنان في كل عصر.. ورغم شدة ما يتحملونه من أعباء فإنهم. وتلك للأسف من المضحكات المبكيات. لم ينالوا حقهم الواجب من التكريم والحفاوة في حياتهم. فلا هم نالوا الجوائز التي تنهال علي نجوم الفن والكرة وربما أهل الرقص في المحافل المختلفة وما أكثرها.. ولا هم يحظون بالتكريم اللائق في المناسبات الاحتفالية.. وحتي بعد رحيلهم تنحسر عنهم الأضواء فلا ينالون ما يستحقون من تخليد لذكراهم وربما يطويهم النسيان إلا قليلاً رغم عظمة ما قدموه لبلدهم.. ونادراً ما تعرف الجوائز طريقها إلي المفكرين وحملة الأقلام وأصحاب الرأي المستنير رغم خطورة ما يضطلعون به من أدوار وما يطرحونه من أفكار تحدث تحولات دراماتيكية وتترك تأثيرها المدويّ في فئات المجتمع كافة بل والدول والإنسانية جمعاء.. كم أسقطت حملات الصحافة عروشاً و كم أطاحت برؤساء دول ومسئولين كبار.. وما فضيحة "ووتر جيت" التي اهتزت لها أمريكا.. ولا قضية الأسلحة الفاسدة قبيل ثورة يوليو 1952في مصر عنا ببعيد.. !!
* ألا يستحق حملة الأقلام بعد كل هذا العناء أن ينالوا حقهم من الجوائز والتكريم أحياء وأمواتاً حتي لا يسقطوا من ذاكرة الوطن ووجدان الأجيال القادمة.. ؟!
والسؤال لوزارة الثقافة المعنية بالأفكار والمفكرين: ماذا فعلت لتكريم عقل الأمة ووجدانها وحاملي مشاعل التنوير والتثقيف من كتاب وصحفيين ومفكرين أخطأتهم جوائز الدولة الرسمية الموسمية.. وهل قدمت نقابة الصحفيين أو غيرها التكريم اللائق لحملة الأقلام ورواد الصحافة العظام أمثال علي ومصطفي أمين وجلال الدين الحمامصي وكامل زهيري وإحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين والتابعي وأنيس منصور ومحسن محمد ومحمد زكي عبدالقادر وأخيراً إبراهيم نافع وإبراهيم سعده وغيرهم ممن تركوا تراثاً فكرياً وصحفياً يثري العقول وينير الأفهام ويحرض علي التفكير والنقد الهادف. فهؤلاء لا يزالون رغم رحيلهم يعيشون بيننا بأفكارهم ورؤاهم الخلاقة ومعاركهم الجريئة التي جرت عليهم المتاعب والويلات.. الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يأتي متأخراً تكريم أمثال هؤلاء الرواد.. لماذا يتخلف عن حياتهم التي أفنوها في سبيل مهنتهم ووطنهم.. ألم يكن من الأولي مكافأتهم في حياتهم لقاء ما صنعوا؟!
رحيل عملاق الصحافة
* ما أكثر ما أثاره رحيل الكاتب العملاق إبراهيم سعده من شجون ومواجع علي ما وصلت إليه حال الصحافة التي غاب التكريم عن روادها الحقيقيين في حياتهم وبعد مماتهم.
لقد ترك "سعده" فراغاً كبيراً يصعب ملئه في زمن متهافت ناضب يتناقص فيه المبدعون ويقل فيه الموهوبون والمجتهدون وأصحاب البصمات.. رحل سعده بعد صراع طويل مع المرض والغربة ومتاعب جمة جراء بلاغات كيدية.
كان الراحل صحفياً بمعني الكلمة. وكاتباً فذاً له جمهوره ومحبوه.. كان ثورياً في أفكاره وطروحاته ونقده.. شاباً في رؤاه. ينتقد بشجاعة وموضوعية.. لم يتلون.. ولم يغير جلده ولا مبادئه مثلما يفعل كثير من إعلاميي هذا الزمن.. كلماته بسيطة اللفظ. عميقة الدلالة والمغزي.. عنوان للحقيقة والموضوعية والحرفية.
تفاني في مهنته وأخلص لقرائه ووطنه.. نال القليل من التكريم وبذل الكثير من الجهد والعطاء.. وأذكر أنني ربما أكون واحداً ممن حاولوا إنصاف وتكريم هذا الرجل الذي تعرض لجحود وغبن كبيرين بعد تركه قيادة مؤسسة أخبار اليوم.. وأذكر عندما كنت رئيساً لمؤسسة دار التحرير "الجمهورية" شكّلت لجنة من شيوخ المهنة وقع اختيارها علي إبراهيم سعده لتكريمه بجائزة "أفضل عمود صحفي".. فما كان من الراحل الكبير بعدها إلا أن اتصل بي شاكراً هذا التكريم الذي لم يأت من مؤسسته التي أفني فيها عمره. آسفاً مما فعله بعض المنتسبين إليها بتقديم بلاغات كيدية ضده أريد بها تشويه تاريخه وإهالة التراب علي إنجازاته.
رحم الله إبراهيم سعده نموذجاً مهنياً رائعاً قلما يجود الزمان بمثله.
* ويبقي في رحيله عظة ودروس أنه لا يخلد في ذاكرة الوطن إلا من خدمه بإخلاص وهو ما يقتضي إعلامنا أن يصلح خطابه وأن ينضم للدولة في معركتها للبقاء والبناء وتسليط الضوء علي الإنجازات لخلق مساحة أمل تشد من أزر الرئيس حتي يقف هذا البلد علي قدميه. منتصراً علي الإرهاب والأمية والعشوائية والمرض.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة