تحدثت فى المقال السابق تحت عنوان "قائمة الملعونين" عن الاحتكار، ومتى يكون الاحتكار حراما، ودللت بصحيح الأحاديث على أن المحتكر ملعون، أى مطرود من رحمة الله، وذلك لأنه لم يرحم الناس، وقلت فى نهاية المقال: من يثبت فى حقه أنه محتكر بما لا يدع مجالا للشك، فأرى أنه من الضرورى كنوع من العقاب الدنيوى، أن تصدر الأجهزة الرقابية قائمة بعنوان: "قائمة الملعونين"وتضع بها أسماء المحتكرين وتوزعها على أجهزة الإعلام المختلفة، حتى تكون فضيحتهم على رؤوس الأشهاد، ربما يكون فى ذلك شئ من الردع، إلى حين ينهض مجلس النواب بمسؤولياته ويراجع قوانين تجريم الاحتكار، ويعمل على تغليظ عقوبته رحمة بالمواطنين الذين انتخبوهم نوابا عنهم، لرعاية مصالحهم،والعمل على تخفيف معاناتهم، وإلا يكونوا قد خانوا عهدهم وضيعوا أمانتهم.
واستكمالا لما سبق أود الإشارة إلى ما قاله العلماء فى كيفية منع الاحتكار، فيقص علينا القاضي أبو بكر العربي أن الخليفة ببغداد كان إذا رفع التجار أسعار الطعام، فتح المخازن، وأذن في بيع ما فيها بأقل مما يبيع التجار، ولا يزال على هذا الحال حتى تعود الأسعار إلى أصلها أو إلى القدر المناسب، قال: وبهذه الطريقة يغلب المحتكرين والجالبين ويدفع عن الناس ضررا عظيما.
وهذا هو عين ما تفعله الأجهزة الرقابية فى مصر مع المحتكرين، حيث يتم فتح مخازنهم وثلاجاتهم العملاقة لطرح السلع فى الأسواق باسعار مناسبة، ولكن للأسف تبقى عقوبة المحتكر فى حاجة إلى إعهادة نظر، إذ أن القانون الحالى لا يمنع الاحتكار، وإنما يمنع فقط الممارسات الاحتكارية الضارة بالمنافسة، وهل هناك ضرر أكبر من تفشي الغلاء بالبلاد؟.
وفيما ذكرت فى المقال السابق حديث رواه ابن ماجة، "قال صلى الله عليه وسلم: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" ولم أتطرق إلى معنى الجالب والمحتكر، فالجالب هو الذي يخرج ما لديه من السلع ويعرضها للبيع بسعر يومها، سواء من الدواب، أو من الأطعمة، أو من الأقمشة، أو من الأواني، أو العقار، أو غير ذلك، فيحصل بعرضه وبيعه توسعة على الناس، وتسهيل الأرزاق، وتوفر الحاجات المطلوبة، فالله تعالى يرزقه ويربح تجارته، أما المحتكر فهو الذي يحبس السلع لديه، ويخزنها حتى تقل من الأسواق ويرتفع ثمنها، ثم يعرضها للبيع ويزيد في قيمتها، فهو يستحق الطرد من رحمة الله تعالى؛ حيث إنه ضيق على الناس.
وكان العلماء بحق يدركون خطر العبث بالأسعار، والغش في المبايعات، فلا يدخرون وسعا في وعظ التجار، وتذكيرهم بتقوى علام الغيوب، وتربيتهم على القناعة بما تيسر من الأرباح.
وكان ابن عمر – رضي الله عنه – يمر على البائع فيقول: (اتق الله وأوف الكيل) وكان على بن ابي طالب – كرم الله وجهه – يطوف سوق الكوفه، ويعظ التجار، ومما يقول في وعظه: "معاشر التجار لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره"
فالاحتكار والغش قذارة في النفوس يجب على دعاة الإصلاح أن يغسلوها بالحكمة والموعظة وكذلك العوج في المجتمع يجب على ولاة الأمر أن يقوموه بالعقوبات العادلة النافذة.
وإيمانا بالدور الرائع الذى تقوم به وزارة الأوقاف من خلال الندوات التى تعقدها أسبوعيا بالتعاون مع صحيفة "عقيدتى"، أود أن تكون الندوة القادمة تحت عنوان: "المحتكر ملعون" لبيان خطورة الاحتكار على الفرد والمجتمع، بل على المحتكر نفسه.