انطفأت شعلة حمدي قنديل، لكن أحلامه وأفكاره ومغامراته باقية، وقلمه الرصاص لا يزال نُصباً تذكارياً للمهنية والمصداقية، سيحج له كل عشاق الكتابة والحقيقة، ومكتبه رئيساً للتحرير سيظل شاغراً لن يملأه أحد.
من كتابة أخبار المجتمع بمدرسة أخبار اليوم الصحفية إلي قراءة نشرة أخبار التاسعة علي التليفزيون المصري بعد انطلاقه بعدة أشهر عام 1961، إلي برامجه "أقوال الصحف" بالستينات، وصولاً إلي "مع حمدي قنديل" و"رئيس التحرير" وقلم رصاص" كان مشاغباً عظيماً، وصادقاً أمينا، لم يُلوث، ولم يُطبل، ولم يُهلل ولم يُهادن، فاستحق الأستاذية لدي الوجدان الشعبي المصري والعربي.
في مذكراته "عشت مرتين" الصادرة عن دار الشروق في 2014، واقعتان تستحقان التأمل، الأولي مبكرة في صدر شبابه: "في عام 1962 عندما طلب التليفزيون مني في الدقيقة الأخيرة تقديم حفل نادي ضباط الجيش بالزمالك مساء 26 يوليو إحتفالاً بالذكري السنوية لطرد الملك، بعدما تغيب عن الحفل مقدمه الأصلي.. عندما وصلت علمت أن مهمتي ستقتصر علي تقديم أم كلثوم، وجدت أن الأمر لا يحتاج إلي عناء، وصعدت إلي خشبة المسرح فوجدت أمامي علي بعد أمتار جمال عبد الناصر جالساً في الصدارة، ومن حوله أعضاء مجلس الثورة، وعلي الرغم من أنه ابتسم ابتسامة عريضة مشجعة فإن رعشة خفيفة أصابتني، وبعد ثوان من الصمت قلت :"أيها السادة، إليكم أم كلثوم"، وقفلت عائداً، فوجدت أم كلثوم في طريقي تتقدم علي خشبة المسرح، فاستوقفتني وقالت:"ده كل اللي ربنا فتح بيه عليك؟".. وهي شعار مدرسته "خير الكلام ما قل ودل" بلا تفخيم ولا أوصاف للفساتين، ولا إضفاء ألقاب.
الثانية بعدها بثمانية أعوام: "في 28 سبتمبر 1970 انتقل عبد الناصر إلي بارئه، ما إن تتالي بث آيات القرآن الكريم علي الشاشة وأنا في البيت حتي هروللت إلي مبني التليفزيون، طردت من ذهني أن يكون عبد الناصر قد أصابه سوء، ومع ذلك فقد طاردني هاجس أنه ربما يكون قد اغتيل، ولعل هذا ما دفعني إلي الذهاب لا إلي إدارة الأخبار وإنما إلي مكتب الوزير.. هناك كانت تنتظرني الصاعقة.. لم يكن الأستاذ هيكل الذي عين وزيراً للإعلام قبل عدة شهور في المكتب.. حضر أنور السادات وأعلن أن سيوجه بياناً إلي الأمة، وكان ذلك في الساعة الحادية عشرة إلا خمس دقائق، لكنني قبل أن أظهر علي الشاشة تذكرت فجأة بأي صفة أقدمه، فربما يكون قد حدث في الساعات القليلة السابقة ما لا أدريه.. سألته بأي لقب أقدمك يا سيادة النائب ؟" رمقني بنظرة لم أتبين عندئذ معناها، وقال :"أنور السادات، مش كفاية كده؟!".. بعدها بساعات صار السادات رئيساً للدولة، لكن الدرس الأول في مدرسة المهنية أن تُعرّف من تُقدمه بلقبه دون زيادة أو نقصان حتي لو غضب.
الغاضبون من قنديل كثر، زعماء وساسة وفصائل وأحزاب ودول لكنهم بالنهاية أجمعوا علي محبته وصدقه، ولطالما دفع الثمن. وأحلامه في الحرية والكرامة وحق المصريين في العيش هي الدرس الأهم في حياته الإعلامية: "أن تكون خادماً للقارئ وللشعب فقط".. وداعاً حمدي قنديل.