الدكتور محمد نصار يروى تفاصيل انسانية عن والده فى حرب أكتوبر العظيم
قتلت كام واحد من الاسرائيلين يابا
جانب إنساني من حكاوي أب مصري من قرية طحانوب مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية كان جندي في حرب أكتوبر المجيدة يرويها لنا ابنه الدكتور محمد كمال نصار .إحكي لي يا أبا إنت عبرت يوم ٦ أكتوبر يعني كنت مع اللي بيعبروا في الوقت ده وقتلت كام واحد من الإسرائيليبن ....
يضحك الأب ضحكه بشجن لن أنساها وأسئل ربي أن يجمعني به عند مستقر رحمته لأسمعها مرة آخرى ولأقبل جبينه ورأسه ويديه وأحتضنه ...
عبرنا يوم ٦ أكتوبر وكان القتال عنيف جدا على الجبهة في الأيام الأولى من العبور ولا فارق معنا ليل من نهار وعمالين نتقدم ونحرر النقاط الحصينه على الضفة الشرقيه قتال عنيف لكن والله يا بني كنا فرحانين وما صدقنا إننا بدأنا الحرب كان نفسنا نحارب ونخلص ، كانت فترة الإستعداد للحرب والتدريبات صعبه جدا وكلنا كنا نقول إمتى نحارب حوالي ١١ سنه في الجيش لحد أكتوبر ....،
المهم من شدة القتال واستمراره ليل ونهار لا عارفين نغمض عنينا ولا ننام رغم التعب والإرهاق ، ضرب النار على طول ما بيبطلش اللي ربنا يكرمه يبعت له غفوة كده من عنده وهو واقف ولا قاعد يبقى فضل ورضا...
أستشهد حد من كتيبتك أيوه كتير كنا نبقى مع بعض وتيجي قذيفه أو غارة نجري نتدارى في الدوشمه ولا وراء أي ساتر وبعد ما يروح الغبار والأدخنه نقعد ندور على بعض نلاقي اللي تتطاير منه رأس واستشهد أو أي جزء ...
وقتلت كام واحد كنا مجموعات قتاليه بنتحرك لتحرير النقاط الحصينه وتطهيرها فكنا بنشترك في القتل والحمد لله مجموعتنا في الكتيبه كانوا من الفراوده وأسقطنا كتير من العدو ....
القتال كان مستمر وعنيف لحد يوم الثغره لما حصلت بين الجيشين التاني والتالت بتاعنا وتم تطويق الجيش التالت في الوقت ده كان القتال أعنف ما يكون من أي وقت وكان إمدادنا من الذخيره والتموين بدأ ينفذ وبدأت خسائرنا تزيد وتم الحصار بالكامل وإنقطعت الإمدادات بينا وبين الضفه الغربيه من القناة إلى أن صدر قرار وقف إطلاق النار ساعتها حمدنا ربنا لأننا كنا مش هنقدر نكمل وما فيش ذخيره يعني هيتسلوا علينا ...
قعدتم أد إيه في الحصار كتير كان أكتر من ثلاث شهور
وكنتم بتعملوا إيه في الحصار قاعدين متمركزين صدرت أوامر إننا نظل ثابتين في أماكنا.....
لما اتحاصرنا وقف الإمداد والتموين و لا فيه مايه ولا أكل طيب وكنتم بتعملوا إيه ياه يا بني بتفكرني ليه ...
والله يابني من كتر الجوع كنا نروح ندور في الزبالة بتاعت الإسرائليين نأخد منها كسرة عيش ولا لقمه ولا أي حاجه تنفع تتاكل قشرة برتقانه علشان نعرف نعيش
والمايه كنا متمركزين عند البحيرات المره والمايه كنا نكررها في الكتيبه ونصيب الواحد يابني ما يكفيه يبل ريقه وقعدتم كده ٣ شهور وأكتر أيوه ...
المايه دي كانت لها حكايه معانا إحنا كنا موقعنا عند البحيرات المره والعدو الصهيوني كان مباشرة مقابل لنا وكانوا هما مسيطرين على عيون المايه الحلوه فإتفقنا أنا وأصحابي في الكتيبة إننا بالليل نتبادل كل مجموعة تتسلل وتحاول توصل للمايه الحلوه وتملى جركن مايه واحنا وحظنا رجعنا ولا استشهدنا إحنا كده كده ميتين من الجوع وكنا نخفيه في مكان في الكتيبه ونستخدمه إحنا نشرب منه إستمرينا على الوضع ده لحد في يوم جندي إسرائيلي شافنا وضرب علينا نار وثبتنا وقالنا بتعملوا ايه قلنا له جايين علشان المايه رأف بحالنا وقعد يتكلم معنا وولع لنا سجاير وقال لنا أن بكون موجود كل يوم حراسة في الوقت ده تعالوا خدو المايه اللي انتم عايزينها وامشوا ما تخافوش شكرناه و مشينا طبعا كان رحلة المايه دي ما تتم إلا في عز الليل وكانت بتعملها رايح جاي مش أقل من ٤ كيلو وكانو معظمهم زحف علشان ماحدش ياخد باله من تحركنا.....
فضلنا على الوضع ده لحد ما واحد راح لقائد الكتيبه فتن علينا لأنه كان عايز مايه ومش عايز ييجي معانا ،جمعنا قائد الكتيبه وقال فين المايه اللي معاكم وجبتوها ازاي ما قدرناش نتكلم ، قاله العسكري على مكان ةلمايه طلع المايه وعايز يأخدها إتخانقنا معاه ورفضنا إنه يأخدها قالي هتتحاكم محاكمه عسكريه قلت له والله لو هموت ما تاخدها وفعلا حولني لمحاكمه لحد ما السادات الله يرحمه سقط كل من كان عليه محاكمات أثناء المعركه...
دي كانت أصعب أيام عشتها كان الموت قريب جدا وكل دقيقه بيطاردنا مرات من العدو ومرات من الجوع لحد ما انفك الحصار وبدأ يدخلنا التموين والله يابني كنا عباره عن هياكل عضميه جلد على عضم ومحروقين من الشمس والجفاف وبطننا مقفوله .. زي اللي بتشوفهم بتوع المجاعات في الصومال ..
عدى على بداية الحرب حوالي ٤ شهور ولا فيه أي إتصال بيني وبين الأهل والضابط اللي اتخانقت معاه نزل كل الناس أجازات وبيعاقبني إني خدمه كل يوم قعدت ٣ ، ٤ أيام لحد ما استرديت عافيتي شويه شكلنا كان صعب أوي وقررت أمشي روحت سايب السلاح مكان الخدمه وقلت بقا اللي يحصل يحصل ومشيت كنا في السويس في الدفرسوار مشيت لحد ما وصلت لكبري على القناة وقلت أعدي وأشوف أركب أي حاجه تروحني ،
وأنا ماشي على الكوبري لقيت صديقي وبلدياتي عمك أحمد أبو الحسن ناديته يا أحمد هو عمال يبص مين اللي بيكلمه وبيستغرب مين ده ومش واخد باله مني خالص قلت له أنا كمال رزق يا أحمد اتنفض لما قلت له وقعد يدقق و قعدنا نبكي ونحضن بعض لحد ما هدينا وحكيت له بسرعه قالي بص إنت لازم تنزل البلد دلوقتي حالا الناس كلها فاكرينك استشهدت، وكلم صديق له وركبني في عربيه نقل تبع الكباري نازله القاهره ووصى صاحبه يوصلني لحد محطة مصر ...
نزلت كنا الساعه ٤ العصر روحت ركبت القطار قعدت جه ركب جنبي صديق عمري عمك شمس حيدر قعد ولقيته مكلمنيش.. أستنى أقول هيكلمني يابني ولا كلمني قلت معقول هو أنا مالي روحت قايم ونازل من القطار قلت أنا للدرجه دي ما حدش واخد باله مني.. أنا هفضل قاعد على المحطة لما أركب القطار الأخير علشان مش عايز حد يشوفني لحد ما أروح البيت وأوصل بالليل
فعلا ركبت القطار اللي متأخر علشان أنزل البلد في الليل وركب جنبي بالصدفه سيدك أحمد الشافعي قاعد قصادي طول الطريق ومش عارفني وأول ما نزلنا المحطة ناديت عليه يا خال يتلفت ويبص ويمشي أنادي تاني يبص لي إنت بتكلمني أيوه أنا كمال يا خال كمال مين كمال وياخدني في حضنه ونعيط ولحظات والمحطه اتقلبت والناس اتلموا يسلموا وروحت البيت خبطت على الشباك كما كنت أفعل لما أكون راجع متأخر وهنا تحكي أمي هذه اللحظات ...
كان قاعد عمك السعيد وعمك السيد و عمك متولي وعمك عبودة بكير و وستك هنا وأنا وكانو بييجوا كل يوم يقعدوا معنا وهم عارفين إنه من المفقودين وبعض الناس في البلد قالوا احنا شوفناه استشهد على أدينا وكلهم عارفين الحكاية دي ويبحاولوا إنها ما توصل لي ولكني عرفتها لكن قلبي ما كانش مصدق خالص يابني ....
قاعدين وأختك أمل صغيره ولسه بدأه تتعلم المشي وعماله تجري وتتضحك وتهزر مع إعمامك اللي قاعدين وتضحك وشكلها مش طبيعي أول مره تعمل كده مع الضيوف...
وقبل ما أبوك ييجي بشويه عمك متولي بيسئلني يعني بتعرفي إزاي كمال لما ييجي قلت له ماحدش بيخبط على الشباك إلا هو ومن ساعة ما راح الحرب ما حدش خبط...
وشويه والله يا بني أبوك خبط وعمالين نبص لبعض قلت مين قال كمال وقفت أنا وستك نترعش ومش عارفين نتحرك وأعمامك جريوا على الباب وعمالين يتخبطوا في بعض علشان يفتحوا الباب وقعدوا يحضنوه ويترموا عليه والشارع كله إتقلب زي ما بتشفوه في الأفلام زغاريد وأفراح ...
هذه الذكريات لما كان يحكيها أبويا ولا أمي كنت بأكون في غاية السعاده دلوقتي كل ما تيجي ذكرى أكتوبر أفتكرها وهو بيحكيها وبيوحشني أوي ونفسي أحضنه ... الحمد لله ربنا يجمعنا به عند مستقر رحمته ورضوانه و يبارك في عمر أمي ويرحمه ويرحم أمواتنا جميعا ويلحقنا بهم ويجمعنا بهم تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم وعند الحوض ويمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى